بعد ما يقرب من قرن من القتال، يوشك شعب الطوارق الهائم على وجهه في شمال إفريقيا، على تحقيق أحد أهدافه الرئيسية، وهو تأمين الأراضي اللازمة لإقامة دولة أزواد شمالي جمهورية مالي.
ويعد ذلك من ضمن العواقب غير المتوقعة لسقوط الزعيم الليبي السابق معمر القذافي في ليبيا، حيث نشط العديد من المتمردين الطوارق خلال الحرب الأهلية، وللتحالف الذي أقاموه مع الإسلاميين في مالي.
ولم يكن آخر هجوم شنه الطوارق، والذي أدى إلى الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي، بالسرعة والقوة المتوقعتين. فحتى قبل أن يتصدر القتال عناوين الصحف خلال الفترة الماضية، كانت البلدات الواقعة على طول الحدود الشمالية بين مالي والجزائر، تسقط بلدة تلو الأخرى في أيدي الطوارق من مقاتلي "الحركة الوطنية لتحرير أزواد". وتشرد ما يقرب من 200 ألف شخص، خلال الأشهر الثلاثة الماضية وحدها.
والجيش المالي، الذي يتألف في معظمه من أفارقة من جنوب الصحراء الكبرى، والذي كان متفوقاً على الطوارق المسلحين تسليحا خفيفا، وجد نفسه في مواجهة عدو مدجج بالسلاح وحازم في إحدى أكثر البيئات قسوة في العالم.
ويبدو أن النكسات العسكرية التي شهدتها مالي منذ بدء حركة التمرد في يناير الماضي، كانت أحد الأسباب وراء استيلاء صغار ضباط الجيش على السلطة، بعد إطاحتهم بالرئيس أمادو توماني توري يوم 22 مارس الماضي.
ومنذ ذلك الحين، لم تسر الأمور على النحو الذي أراده المجلس العسكري، نظراً لأن الثائرين، بقيادة الكابتن أمادو سانوغو، الذي تدرب على يد الولايات المتحدة، واجه انتقادات دولية وهجمات مكثفة من جانب المتمردين في الشمال، الذين يسيطرون الآن على أراضٍ تكاد تضاهي فرنسا في مساحتها.
وسقط آخر معاقل الحكومة الرئيسية في الشمال، مدينة تيمبكتو القديمة، منذ أيام قليلة. وليس هناك شك كبير في أن نجاحات المتمردين، تعد نتيجة للحرب الأهلية التي شهدتها ليبيا في العام الماضي.
وشاركت قبائل الطوارق، إلى جانب غيرها من القبائل الإفريقية العربية وغير العربية، بصورة نشطة للغاية في تلك الحرب، حيث قاتل بعض أبنائها إلى جانب الثوار الليبيين، فيما عمل العديد منهم كمرتزقة في جيش القذافي. وأسفر انتهاء الحرب في ليبيا عن عودة عدد كبير من المقاتلين المتمرسين في القتال إلى مالي، مع ترسانة كبيرة من الأسلحة، تضم أسلحة ثقيلة. وبعد عودتهم بفترة وجيزة، أعاد الطوارق إطلاق حملتهم، ولكن هذه المرة بمساعدة جماعة "أنصار الدين" الإسلامية، وهي فرع من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
وأسفر كل من انتشار الإسلام في شمال إفريقيا، وإسقاط دكتاتورين إقليميين، عن ارتفاع عدد عمليات تنظيم القاعدة في المنطقة. وساهم الوضع الأمني غير المستقر، في تمكين المتشددين من الحصول على مصادر تمويل جديدة، من خلال الخطف والاتجار في المخدرات والأسلحة. وقد انضمت جماعات متشددة عدة إلى المتمردين الطوارق، ضد الحكومة المالية المدعومة من قبل الغرب.
ورغم أن المتمردين الطوارق شنوا في السابق حملة وطنية، فإن ظهور المتشددين إلى جانبهم قد يغير أهدافهم العسكرية، إذ يقال إن الشريعة الإسلامية تطبق بالفعل في المناطق الشمالية من مالي التي تعرضت للغزو.
ومع المسافة التي تفصل بين مدينة غاو الخاضعة لسيطرة المتمردين وبين العاصمة المالية باماكو، والتي تصل إلى 1000 كيلومتر، فإن الشيء الوحيد، فيما يبدو، الذي يمنع تقدم المتمردين نحو العاصمة، هو بعض الحسابات الاستراتيجية أو السياسية.