تمثل القافلة التي تم تصويرها وهي تجوب الطريق السريع المظلم رمزاً مرحباً به للانسحاب الأميركي من حرب لم يكن من المفترض لها أن تنشب. وتهم الدبابات بمغادرة دولة قامت الولايات المتحدة بتفجيرها وتفكيكها، مما جلب الموت والمرض والحزن للعائلات العراقية.

وتصف صحيفة «هيرالد تريبيون» محقة تكاليف هذه الحرب بأنها «لا تطاق». ومع ذلك، فإنه حتى مع خروج القوات الأميركية من العراق، يتنافس المقاولون والشركات الأميركية للحصول على موطئ قدم هناك، وعلى عقود مربحة، سواء في مجال الأمن أو السلاح أو النفط.

ومن جهة أخرى، فإن التوترات مع القوى الإقليمية لا تزال قائمة، وهجمات الطائرات دون طيار تثير غضب باكستان، والحرب لا تزال مستمرة في أفغانستان.

وفي نهاية العام الجاري، نجد أنفسنا مفلسين بسبب الحرب، ونتساءل عما إذا كانت هناك أية دروس وعبر مستفادة من غزو العراق. وبعد أن اشتعلت الحروب مع صرخات تنادي بالديمقراطية والحرية، يتعين علينا الآن أن ننفض الغبار عنا، وأن نتبنى كلمتين مهملتين، وهما الدبلوماسية والسلام.

أين هي الاحتفالات العفوية من الساحل إلى الساحل؟ أين هي الألعاب النارية في دي موين، والمسيرات في فينيكس، واليوبيلات في سياتل؟ صحيح أننا ما زلنا نخوض حرباً في أفغانستان، ولكن ألا تذكرون يوم النصر في أوروبا في عام 1945، حين احتشدت الجموع الممتنة في ساحة التايمز، على الرغم من تواصل شهور من القتال في منطقة المحيط الهادئ؟

أم هل أصبحت الحرب أمراً روتينياً، وغير منطقي نسبيا، بحيث لم يعد التهليل في جميع أنحاء البلاد أمراً متوقعاً؟ هل قمنا بتحويل الحرب إلى تجربة ظاهرية، بحيث لم تعد نهايتها تحتاج إلى تعبير حقيقي عن الشعور بالارتياح؟

أم ربما كان الافتقار إلى وجود تضحية مشتركة حقيقية على الجبهة الداخلية هو الأمر الذي سمح للحرب بأن تصبح منكمشة للغاية؟ وإذا كان صحيحا أن الحرب قد فقدت حجمها المروع، فهل يشكل هذا تحذيراً من سهولة دخول الولايات المتحدة في صراعات في المستقبل؟

وقد كتب أحد ضباط الجيش الأميركي في صحيفة «هيرالد تريبيون»، يقول: «لم تتمكن المقالة التي حملت عنوان «في نهاية حرب العراق، لم تلتئم الجراح بالنسبة للفلوجة»، والتي نشرت بتاريخ 15 ديسمبر الماضي، من تصوير النضال من أجل الفلوجة. لقد قمت بقيادة القوات الأميركية والعراقية أثناء معركة الفلوجة الثانية. كانت تلك المدينة تشتهر بالمتاجرة بالبشر والسلاح، وبانتشار المخدرات وجرائم القتل. وكانت خاضعة لسيطرة عناصر خارجة ومجموعة من المتطرفين. وقد عمد بعضهم إلى إيذاء المواطنين، ومهاجمة قوات التحالف، وتقويض الحكومة العراقية. وباختصار، فقد كانت الفلوجة عبارة عن مدينة تعمها الفوضى ويصعب دخول الحكومة أو قوات التحالف إليها.

وبعد قتال عنيف، عادت المدينة إلى كنف الحكومة العراقية. ولا يسعنا أن ننسى التضحيات التي قدمها الأميركيون وشركاؤهم من العراقيين الذين أدخلوا الحرية إلى المدينة. وقد قال لي أحد الجنرالات العراقيين: «في يوم من الأيام، سيكتب الناس قصة جميلة عن تضحيات مدينة الفلوجة».