لطالما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مناضلاً يواجه التحديات، وهو ما سيكون في صالحه، لأنه، بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية، سيحتاج إلى إيجاد توازن بين الاستقرار الذي يشكل حجر الزاوية في رؤيته السياسية، وبين الإصلاحات التي تحتاج إليها روسيا بشكل عاجل في العديد من المجالات.

ويطلق على بوتين أحياناً رئيس الآمال، وذلك لأن العديد من الروس يعتقدون أنه سيعيد عظمة روسيا ويحسن حياتهم. فخلال فترته الرئاسية الأولى، راحت روسيا تستعيد عزتها وتحظى بالاحترام على الساحة السياسية.

 وحينها فقط، طويت صفحة الاضطرابات التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي، وبعد أن بدت روسيا وكأنها نفيت إلى هامش الساحة الدولية، راحت تنظر إليها أبرز دول العالم على أنها قوة وشريك مهم. وعلى الرغم من تحرك المعارضة في المدن الكبرى، مثل موسكو وسان بطرسبرغ، متهمة الحكومة، التي كان بوتين رئيساً لوزرائها، بافتقارها إلى الخيارات وعجزها عن إجراء أية تغييرات نحو الأفضل.

فإنه لا بد من فهم أن هاتين المدينتين لا تشكلان روسيا بأكملها. لقد تحسن الوضع العام في البلاد قطعاً، ويمكن رؤية التغييرات الإيجابية بصورة أكثر وضوحاً في المدن الصغيرة في المحافظات، حيث توقف الناس عن مجرد البقاء على قيد الحياة، وبدأوا بالعيش.

وبلدات الأقاليم الصغيرة هذه هي التي قدمت لبوتين أكبر قدر من الدعم. وتجدر الإشارة إلى أن بوتين، خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حصل على 64 في المئة من الأصوات، أي ما يضاهي نسبة الـ 65 % التي أمنت له فترته الرئاسية الثانية في مارس 2004. ولكن حتى بوتين نفسه أقر بأن الإصلاحات ضرورية لتقدم روسيا وتحسين نوعية حياة الناس.

وهو يدرك جيداً أن روسيا، في غياب الإصلاحات، ستدخل مرحلة من الركود. وبالتالي، فإنه من المرجح أن أول سنتين من رئاسته ستسفران عن بعض الإصلاحات الاجتماعية، والإصلاحات التي تهدف إلى إيجاد بيئة أعمال أكثر استقراراً. ولكن لا بد من سياسة اقتصادية ليبرالية، وسياسة خارجية حذرة، لإعادة إحياء روسيا. وذلك عكس ما تمناه ناخبو بوتين.

ومن غير المرجح أن تلقى إصلاحاته ترحيباً من جانب الغالبية العظمى من الروس الذين صوتوا لصالحه، وأعضاء حزب روسيا المتحدة، والبيروقراطيين، والمؤسسات الحكومية، وموظفي الدولة.

وعلى الرغم من أن مقالات ما قبل الانتخابات التي كتبها تظهر أنه يتفهم الحاجة إلى إجراء تغييرات جوهرية جادة، فإن عقيدته السياسية لطالما قامت على أساس الاستقرار. ولطالما كان الاستقرار أكثر أهمية من التنمية والإصلاحات بالنسبة لبوتين. لذا فإنه قد يجد صعوبة في الخروج بأي مقترحات حقيقية فيما يتعلق بكيفية تغيير هيكل السلطة القائم.

إلا أنه أثبت بالفعل، ولمرات عدة، أنه رجل سياسة يستطيع التنبؤ بالنتائج المترتبة على تصرفاته، ولذا فقد يمكن توقع أنه، قبل إدخال أي إصلاحات غير شعبية محتملة، سيشرح سبب الحاجة إليها وما ستسفر عنه من نتائج.

ومن شأن بعض الخطط أن تعتمد على الاتجاهات السائدة في الاقتصاد العالمي، حيث لا تزال الأوضاع غير مؤكدة. إذ لم يتضح حتى الآن ما الذي سيحدث في أوروبا، وما ستؤول إليه أسعار النفط والمواد الخام الأخرى. ومع ذلك، فإن كلا من انعدام اليقين في الاقتصاد العالمي والأزمة المالية العالمية قد يسهمان في تسريع التغييرات الإيجابية في روسيا.

وللوهلة الأولى، قد يبدو بوتين وكأنه سيقع رهينة للمطالب المتضاربة من جانب الجماعات الروسية المختلفة، ولكن يمكن النظر إلى حقيقة أن ديمتري مدفيديف، الرئيس المنتهية ولايته، سيستلم رئاسة الوزراء باعتبارها مؤشراً إلى أن الإصلاحات الليبرالية في المجالات السياسية ستستمر.