التاريخ يعيد نفسه، لا سيما في الصومال. وكما كان متوقعاً على نطاق واسع في ذلك الوقت، فإن التدخل الإثيوبي في عام 2006 لم يسفر عن الكثير، عدا تحفيزه لنزعة التشدد. فالعشائر التي حارب بعضها بعضاً لسنوات، توحدت ضد الغازي الأجنبي. وبعد مرور خمس سنوات، وعقب سلسلة من التفجيرات وعمليات الخطف عبر الحدود، نشرت كينيا ألوف الجنود في وادي جوبا في الصومال، في إطار غزو كان يعاني سوء التخطيط، وسوء التحضير، وأهدافه العسكرية الفضفاضة.

وفي بداية الأمر، سمي ذلك الغزو عملية مطاردة ساخنة، تحولت فيما بعد إلى مهمة لإضعاف حركة الشباب، وأخيراً أصبحت عملية النشر بلا نهاية محددة. ولا تزال القوات الكينية هناك، وفي إطار تعثرها وسط الأمطار الغزيرة والعشائر الصومالية التي لا يمكن الاعتماد عليها، فإن هذه القوات، رغم بعض النجاحات القوية، لا تزال بعيدة عن الاستيلاء على مدينة كيسمايو الساحلية، حيث تحصل حركة الشباب على عائداتها. وبعد مواجهتها بقوة عسكرية تقليدية متفوقة، راحت حركة الشباب تتلاشى وتستخدم تكتيكات الكر والفر.

وفي سبيل وضع حد لهذه الإخفاقات، تفكر بريطانيا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي، في شن هجمات جوية على معسكرات حركة الشباب، لا سيما في المناطق التي يتعايش فيها المتشددون مع القراصنة، ويجري دمج المشكلتين على نحو ملائم. ويجري التحليق بطائرات الهليكوبتر المسلحة، من السفن الحربية إلى داخل الصومال، بناء على معلومات استخباراتية محلية غير موثوق بها. وسيتسبب ذلك حتماً في سقوط ضحايا من المدنيين، وهو ما ستستغله حركة الشباب بمهارة. وليست حركة الشباب قوة موحدة، وإنما هي تجمع للميليشيات، ومن الممكن أن تنهار في الظروف المناسبة.

والمنظمة السياسية الوحيدة التي تمكنت، لفترة وجيزة، من توحيد جنوب ووسط الصومال من خلال تجاوز الولاءات العشائرية، هي اتحاد المحاكم الإسلامية. ولكن سرعان ما تم إعلانها عدواً، وهزمت قواتها على يد الغزو الإثيوبي. وفشلت سلسلة من الحكومات الانتقالية المدعومة من قِبَل الغرب، والتي كانت تعتمد على جيوش أجنبية.

والحكومة الاتحادية الانتقالية الحالية فاسدة، وقبضتها ليست شديدة الإحكام حتى في مقديشو. وحين تنتهي ولايتها في شهر أغسطس المقبل، فلا ينبغي أن يتم تجديدها. وتتمثل مشكلة الصومال الأساسية في الحكم. والهيكل الاتحادي الذي يمكن أن يكلل بالنجاح، ينبغي أن يكون فضفاضاً ومشيداً من أسفل إلى أعلى. والجهات المانحة ووكالات الأمم المتحدة التي تم تمثيلها أخيراً في مؤتمر لندن، والتي أمضت عقوداً وهي تعمل مع حكومات فقدت مصداقيتها في مقديشو، لا تعرف إلى من تتحدث من زعماء العشائر.

وتعمل سياسة العشائر الصومالية بتوافق الآراء، ومن خلال ممثلين لديهم سجلات حافلة، ولا يتم بناء الشرعية بالانتخابات.

والجهات المانحة تدين بالفضل للبلدان التي تمولها، لا للصوماليين الذين يفترض أنها تخدمهم. ينبغي أن تنتهي العمليات العسكرية التي تشنها الجيوش الأجنبية لحسابها الخاص، وإذا كان لا بد من توفير الأمان ضد حركة الشباب، فإن ذلك يجب أن يتم من خلال قوات «أميسون»، وهي بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، ولكن ذلك سيحتاج إلى الموارد. ولا يمكن القيام بعمل عسكري، دون دعم زعماء العشائر المحلية.

ومن الممكن أن تتسبب عسكرة الصراع، في امتداده إلى مقاطعة شمال شرقي كينيا، حيث يوجد الآن 500 ألف لاجئ صومالي. ويخشى جهاز الاستخبارات الداخلية البريطانية «إم آي 5»، من أن حملة تفجيرات مرتبطة بالصومال قد تعقب ذلك في لندن.

وبعد عقدين من الحرب، لا يمكن للصومال إلا أن يجد قدميه تحت ائتلاف من المجموعات الإقليمية وغياب الجيوش الأجنبية، وليست غارات الطائرات الموجهة عن بعد وطائرات الهليكوبتر المزودة بنظام رؤية ليلية سياسية. وقد يكون مستوى معين من فك الارتباط، هو ما يحتاج إليه الصومال.