كان مرسوم المصالحة الوطنية صفقة غادرة، عقدت بوساطة من إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، بين الحاكم العسكري الباكستاني آنذاك برويز مشرف وبنازير بوتو. وقد سمح لها ذلك بالعودة من المنفى والمشاركة في الانتخابات، مقابل إسقاط تهم الفساد الموجهة إلى زوجها آصف علي زرداري ومسؤولين آخرين. وكانت المحكمة الدستورية الباكستانية محقة في إعلانها عدم دستورية المرسوم، بعد مرور عامين على صدوره، أي في عام 2009، ويمكن القول إنها كانت محقة بدرجة موازية، في المطالبة بتطبيق الحكومة الباكستانية الحالية الكامل لقرار المحكمة.
وتسعى المحكمة لتحقيق ذلك من خلال مطالبة رئيس الوزراء الباكستاني الحالي يوسف رضا جيلاني، بمراسلة السلطات السويسرية، لطلب إعادة فتح التحقيق في قضية فساد ضد زرداري. ويرفض رئيس الوزراء القيام بذلك على أساس أن زرداري، وهو رئيس باكستان الحالي، يتمتع بحصانة تنفيذية من الملاحقة القضائية، سواء داخل أو خارج البلاد. ولم تكن الحصانة التي يتمتع بها الرئيس أثناء شغله منصب الرئاسة، هي المشكلة في المحكمة، وإنما امتناع جيلاني عن الامتثال لأمر غير قابل للتنفيذ. وقد وجهت إليه مؤخراً تهمة ازدراء القضاء، وهي الخطوة التي من الممكن أن تؤدي إلى إقالته من منصبه.
وإذا كانت شرعية خطوة المحكمة قابلة للنقاش، فإن سياستها مبهمة إلى حد كبير. وذلك، أولاً، بسبب التوقيت الزمني. فبعد السكوت عن هذه القضية لمدة ثلاث سنوات، تتحرك المحكمة العليا الآن ضد جيلاني، وهو رئيس الوزراء الذي بقي لأطول مدة في المنصب في تاريخ باكستان. وهو أيضاً الشخص الوحيد الذي صوت له البرلمان الباكستاني بالإجماع. لماذا الآن؟ مع اقتراب الانتخابات، التي ستعقد في مارس من عام 2013، والتي يرجح فيها فوز الحزب الرئيسي في الائتلاف الحكومي، وهو حزب الشعب الباكستاني، فإن هذه الخطوة تشكل محاولة لوقف الحكومة المدنية عن تعزيز قوتها.
وفي العصور الماضية، كان ذلك يتم باستخدام الدبابات والجنرالات. أما اليوم، فهو يتم باستخدام قضاة المحكمة العليا كوكلاء. ومن الممكن أن يسمى ذلك تقدماً، ولكن المناورة التي تهدف إلى الإطاحة بالحكومة المنتخبة ديمقراطيا قبل انقضاء فترة ولايتها، تبقى كما كانت.
وإضافة إلى ذلك، لم يتم اتخاذ أي إجراءات محلية ضد الرئيس زرداري. فهم يريدون من حكومة أجنبية أن تقوم بالعمل نيابة عنهم. ولا يسعى أي سياسي في باكستان إلى الطعن في حكم الحصانة التنفيذية من الملاحقة القضائية، وذلك لسبب بسيط، وهو أنه لو أصبح رئيساً، فإنه سيحرص على استغلال ذلك.
وبمجرد فقدان زرداري منصبه، بصورة منصفة وعبر الانتخابات، فإنه سيفقد تلك الحصانة، ومن الصواب تماما أن تتم محاسبته في محكمة قانونية على خلفية مزاعم بأنه تلقى رشاوى. ولكن ليس هذا هو الغرض من جلسة ازدراء القضاء التي عقدت مؤخراً، ولكن الغرض هو زرع الفوضى السياسية، وجيلاني محق في مقاومته لذلك.
وفي حال تمت إدانة جيلاني وإقالته من منصبه، فإنه سيصبح شهيدا في نظر حزبه. وهذا لن يسفر سوى عن دفع مسيرته إلى الأمام.