يعد كتاب "أزمة الصهيونية" للكاتب اليهودي بيتر بينارت، كتاباً مهماً جديداً يرفض استغلال معاناة اليهود التاريخية كضحايا، في هيمنة إسرائيل على الفلسطينيين، ويؤكد أن القضية الحقيقية بالنسبة لليهود اليوم، ليست تحدي الضعف، ولكن في السعي نحو القوة. يقول المؤلف في كتابه: "يُطلب منا تخليد قصة معاناة تتجنب القضية المركزية لليهود في عصرنا الحاضر، وهي كيف لنا أن نستخدم السلطة اليهودية بشكل أخلاقي؟، أي مسألة كيفية ممارسة السلطة من الناحية الأخلاقية بحسب المفهوم الإسرائيلي". وقد ظلت تلك القوة على امتداد 45 عاماً حتى الآن، تمارس على ملايين الفلسطينيين المحرومين من أي حقوق للمواطنة، والذين يعانون من كل أشكال الإذلال لشعب محتل.

ولدى بينارت، وهو صحافي ليبرالي بارز، الحق في قلب هذا المفهوم الماكر لفكرة الضحية. ليس هذا إعادة نظر لما حدث في عام 1948، أو حتى عام 1967. فإسرائيل قوية اليوم، واقتصادها قوي، وهي الدولة الوحيدة المسلحة نووياً في منطقة الشرق الأوسط. والولايات المتحدة بوصفها الحليف الدائم لإسرائيل، هي موطن لجالية يهودية لم تنعم يوما بمثل هذا التوحد والنفوذ الذي تتمتع به الآن، في وقت ينصبّ فيه تركيز الدول العربية "المضطربة"، على تغيير أوضاعها الداخلية، بينما تترنح سوريا على شفا الهاوية. التهديدات لا تزال قائمة، بطبيعة الحال. فالفكر الفلسطيني، القائم منذ عام 1948، لم يختف كليا بعد. وتمتلك قوى إقليمية أخرى برامج تسلح نووي، والمسلحون منتشرون في كل مكان، ويمكنهم شن هجمات إرهابية في نيودلهي أو تبليسي أو أي مكان في العالم.

ومع ذلك، فإن الخطر الأعظم الذي يهدد إسرائيل، يكمن في أنها لا تغتنم فرص اكتساب القوة، أو تتجاوز قوى إقليمية من الناحية العسكرية، بمبالغتها في تمثيل دور الضحية، وليس في ضربة قاصمة قد يوجهها لها أي تحالف معاد لها.

غير أن المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى، حسبما يسرد بينارت في كتابه، تتحكم في أجنداتها في كثير من الأحيان، حفنة من المتبرعين الأثرياء، الذين ظلوا على وجه العموم يدافعون باستماتة عن إسرائيل (مثل قطب نوادي القمارأديلسون شيلدون)، دون استخدام النقد البناء، وهي حجر الزاوية في سياساتهم.

يقتبس مؤلف الكتاب، فقرة مدير الرابطة المناهضة للتشهير أبراهام فوكسمان، التي قال فيها: "الديمقراطية الإسرائيلية تقرر واليهود الأميركيون يدعمون".

مثل هذه الوصفات مفيدة لإسرائيل التي تعيش حالة محدودة من الحصار، ولديها جيل من الناجين من محرقة الهولوكوست. فالإسرائيليون عاجزون اليوم عن الدفاع عن قضاياهم. يقول بينارت: "في سبيل دعمهم لوقف بناء المستوطنات، وارتياحهم للانتقاد العلني للسياسة الإسرائيلية، فإن كتلة اليهود الأميركيين اليساريين والمنظمات التي تتحدث باسمهم، دائماً تسمح بممارسة الولايات المتحدة ضغوطا على القادة الإسرائيليين، ولا تلقي اللوم على الفلسطينيين بشكل حصري تقريباً، لعدم تحقيق سلام في الشرق الأوسط". ويسهل على إسرائيل إلقاء اللوم على الفلسطينيين، بسبب عدم توحّدهم وكثرة المزايدات على قضيتهم.

وإلقاء اللوم على الفلسطينيين من شأنه أن يحظى بمصداقية أكبر، لو أن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أظهرت قدرا ولو قليلا من الاهتمام بإرساء دعائم السلام، لكنها لم تفعل. ولا يزال التوسع مستمراً في المستوطنات في الضفة الغربية، في إطار زعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بأنها أرض يهودية.

صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية