أمضى قادة الحزب في أثينا أياماً عدة يناضلون من أجل جمع 3 مليارات يورو، من خلال فرض تخفيضات إضافية على الإنفاق (أو رفع الناتج المحلي الإجمالي اليوناني بما يزيد على 1%)، الأمر الذي يبدو ضرورياً للتأهل للجولة القادمة من قروض الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي (وهي قروض ذات فائدة مرتفعة نسبيا.
وليست عملية إنقاذ مجانية). وبعد وضع قائمة من التخفيضات المؤلمة، بما في ذلك تخفيض بنسبة 20% على الحد الأدنى للأجور وخسائر وظائف القطاع العام، طولب اليونانيون بأن يذهبوا ويبحثوا عن 300 مليون يورو أخرى. ويصر رئيس وزراء لوكسمبورغ جان كلود يونكر، على ضرورة أن يحول السياسيون اليونانيون هذه التخفيضات إلى قوانين، دون السماح لعامة الشعب بالتصويت.
وأشار في العديد من الجلسات الإعلامية في برلين إلى أن مغادرة اليونان لمنطقة اليورو لن تشكل كارثة كبرى. وهذا يذكرنا برغبة ألمانيا في تعيين مفوض أوروبي في أثينا، للإشراف على عملية تحديد الميزانية اليونانية.
وسواء كانت هذه التصرفات رسمية أو غير رسمية، فإنها توصل الفكرة ذاتها، وهي أن اليونان لا تستحق المجموعة الكاملة من السياسات الديمقراطية، ولا تستحق ذلك النوع من المراعاة الذي من شأنه أن يعطى لأي اقتصاد من الوزن الثقيل. وبطبيعة الحال، فإن هذا ما يحدث للدول المفلسة. فقد تعرض عدد لا يحصى من الدول الآسيوية والأميركية اللاتينية، لأساليب التعذيب ذاتها على يد صندوق النقد الدولي.
والفارق الكبير هنا، هو أن هذا يحدث في أوروبا، ضمن نادي عملة موحدة كان من المفترض أن يحمي أعضاءه من مهانة من هذا القبيل. وهناك مشكلتان رئيسيتان تتعلقان باستراتيجية الفصل البناء هذه؛ الأولى هي أنها غير مبررة بالنسبة لليونانيين، بل وبالنسبة لأي شخص آخر يتابع الاقتصاد. والثانية هي أنه في حال لم تحقق هذه التكتيكات أي نجاح، فإن وجود اليورو سيتهدد، مرة أخرى.
ويجب أن يكون واضحا الآن، أن استراتيجية التخفيضات لا تجدي نفعاً في اليونان، لا على الصعيد الاقتصادي، ولا الاجتماعي، ولا السياسي حتماً، حيث انخفض الإنتاج الصناعي في اليونان بما يزيد على 11% في ديسمبر 2011 مقارنة بالعام الذي قبله، في حين وصلت نسبة البالغين العاطلين عن العمل إلى 20,9%.
ويعيش ما يقرب من نصف اليونانيين الشباب على الإعانات. ولم يكن لسياسة التقشف الصارمة، التي فرضت على اليونان من قبل كل من اللجنة الثلاثية لصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي، أن تسفر عن تحسين آفاق النمو في البلاد، وقد فشلت أيضاً في تحقيق هدفها المتمثل في الحد من تراكم الديون الوطنية. ولا عجب إذاً، أن البلاد تعج بالاحتجاجات المنتظمة، أو أن الوزراء ينسحبون من التحالف بدلاً من أن يتم طردهم من السلطة من قبل ناخبيهم.
واستقال أربعة من كبار أعضاء البرلمان اليوناني من الحكومة مؤخراً، ومن المرجح أن المزيد منهم سيغادر عما قريب. ومن جهة أخرى، تساهم الاستراتيجية التي تنتهجها دول شمال أوروبا، لإجبار الحكومة اليونانية على تطبيق تخفيضات أكبر وبشكل أسرع، في دعم الأحزاب المتطرفة.
والمقامرة بالنسبة لبقية أوروبا هي: ماذا لو غادرت اليونان بالفعل؟ تتنبأ استراتيجية الفصل البناء، بأن اليورو سيعود إلى العمل كالمعتاد. ولكن هنالك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن ذلك لن يحدث، ففي حال غادرت اليونان، فإن المستثمرين سيتكهنون بأن البرتغال ستلحق بها. وسيتم اختبار جدار حماية منطقة اليورو الشهير، والمصمم لحماية إيطاليا وإسبانيا من التقاط العدوى.