من يقصفون البشر بالطائرات الموجّهة عن بعد، هم بلا شك قادرون مثل أي شخص آخر على خداع الذات والإنكار وإيهام الناس. والأمر الأنكى من ذلك، ربما يكمن في القصص البارزة خلال سنوات حكم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، والأوهام المتزايدة من قبل الرئيس الحالي باراك أوباما.
بدأ أوباما خطاب حالة الاتحاد أخيراً، من خلال الادعاء بأن الجنود الذين قاتلوا في حرب العراق "جعلوا أميركا أكثر أمناً وأكثر احتراماً في جميع أنحاء العالم". ومثل بوش، فقد بدأ أوباما تشكيل العالم الذي يريد أن يسكنه. لقد منح الأشخاص الذي دمرتهم السلطة، فرصة تحقيق أحد الأوهام التي يتمسك بها بعض البشر، للتخلص من أعدائهم بصب اللعنة أو الدعاء عليهم، دون مجهود أو من مسافة آمنة.
فمسألة إساءة استخدام تلك القوى، يشار إليها من خلال أكاذيب من يحاولون نشرها. وتصر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه"، التي تدير حرباً غير معلنة وغير معترف بها في باكستان باستخدام الطائرات الموجهة عن بعد، على أنه لم تكن هناك أي خسائر مدنية حدثت أخيراً. وهذا ما يفعله جون برينان مستشار أوباما لمكافحة الإرهاب.
وحسبما أوضح تقرير أعده مكتب الصحافة الاستقصائية العام الماضي، فإنه من بين 2300 شخص قتلوا في غارات أميركية باستخدام طائرات موجّهة عن بعد في باكستان، في الفترة من 2004 حتى أغسطس 2011، هناك 781 شخصاً يبدو أنهم كانوا مدنيين، ومن بينهم 175 طفلاً. وخلال الفترة التي أعلنت فيها سي آي إيه وبرينان ادعاءاتهم، قتل ما لا يقل عن 45 مدنياً.
وبمجرد أن زعمت الوكالة "إننا لم نخطئ"، فسوف تدركون أنها فقدت ثباتها، حسبما وصف ألكسندر سولزينتسين في روايته بشأن هذا العنوان. وكونها لا تشعر بأي التزام بالاعتذار أو التوضيح، أو تعداد الجثث أو التعامل مع جرائمها، فإنها تشكّل خطراً على الإنسانية.
ربما يكون صحيحاً، كما تقول القوة الجوية الأميركية، أنه نظراً لأن الطائرة الموجّهة عن بعد يمكنها الدوران وتمحص هدف ما ساعات عدة، قبل أن تبادر بقصفه، فإنها أقل احتمالاً أن تقتل المدنيين، مقارنة بالصواريخ التي يتم إطلاقها من مقاتلات يقودها طيارون. غير أن القوة الجوية لم تفسر كيف يتفق ذلك مع تباهيها بأن الطائرات الموجّهة عن بُعد "تختصر زمن اتخاذ القرار إلى حد كبير". ومن المؤكد أيضاً صحة المقولة التي تشير إلى أنه كلما كان الانتشار أسهل وأقل خطورة، زادت احتمالات توسعه.
وهذا الخطر معترف به في تقييم صريح بشكل ملحوظ، نشرته وزارة الدفاع البريطانية أخيراً، والتي تقوم أيضاً بنشر طائرات موجّهة عن بعد، وتستخدمها كذلك في قتل المدنيين. فالتقييم يشدد على أن الحرب الجوية غير المعلنة في باكستان واليمن، تعتبر بمثابة مهمة وجود للإمكانيات الجوية دون الاستعانة بالعنصر البشري.
ويحذر المنظّر العسكري الألماني كارل فون كلاوزفيتز، من أن وحشية الحرب تتصاعد إلى أقصى صورها، ويرجع ذلك جزئياً إلى المخاطر التي تواجهها القوات العسكرية، ومن دون مخاطر يكون الانضباط أقل. ومن خلال تلك الطائرات الموجّهة عن بعد، يمكن أن تخوض الحكومات حرباً جبانة، ولا تصيب سوى المجهولين.
من المحتمل أن يتصاعد الخطر في الوقت الذي تصبح الحرب بالطائرات الموجهة عن بعد أكثر تلقائية، وتكون خطوط المساءلة أقل وضوحاً. وأخيراً كشفت البحرية الأميركية النقاب عن طائرة موجّهة عن بعد، يمكنها أن تهبط على حاملة طائرات من دون تشغيلها بواسطة طيار عن بعد.
وحذرت صحيفة "لوس انلجيس تايمز" الأميركية من "أنها يمكنها الدخول في عصر يمكن خلاله التعامل مع الموت والدمار بواسطة آلات تشغيل شبه مستقلة". وتشير تقديرات بريطانية إلى أنه خلال بضع سنوات، يمكن للطائرات الموجّهة عن بعد بمساعدة الذكاء الاصطناعي، أن تتخذ قراراتها الخاصة بشأن من تقتل ومن تتجنب قتله.