وصلت روسيا إلى معلم مهم في عملية التنمية الاقتصادية في أوائل الألفية الثالثة، وشكلت تلك النقطة نهاية ما يشار إليه عادة باسم "تسعينيات القرن الماضي الضارية"، وبداية النمو الاقتصادي السريع بمتوسط 7% للناتج المحلي الإجمالي سنويا حتى عام 2008. وعلى امتداد معظم العقد الأول من الألفية الثالثة، تحسن الوضع المالي بالنسبة إلى معظم الروس، وظهرت طبقة وسطى. وكانت هناك خمسة مكونات رئيسية للسياسة الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة الروسية، خلال أول فترتين رئاسيتين لرئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين، ساهمت في معظم هذا النجاح:
1- إقامة دولة يحكمها القانون وتحمي حقوق مواطنيها القانونية بصورة نشطة.
2- سياسة الانضباط المالي الصارم والميزانيات المتوازنة، والتركيز على إجراء إصلاحات هيكلية لنظام المعاشات وقطاع الطاقة والإسكان والمرافق والرعاية الصحية.
3- تخفيض العبء الضريبي، وهو ما ساهم في ارتفاع مجموع التحصيلات الضريبية.
4- خصخصة أنصبة الدولة في الشركات، وهو ما شكل إشارة واضحة إلى أن الاقتصاد سيعتمد على المبادرة الخاصة والمنافسة العادلة، باعتبارهما محركين رئيسيين للنمو.
5- تعزيز العلاقات مع البلدان المتقدمة، لتتمكن روسيا من جني فوائد العولمة الاقتصادية وحرية حركة رأس المال.
نتيجة لهذه المبادئ الاقتصادية، شهدت البلاد نمو روح المبادرة في قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة، وتراجعاً جزئياً في هروب رؤوس الأموال، وزيادة في الاستثمار من جانب الشركات الأجنبية الكبرى، ونمواً اقتصادياً سريعاً.
ولكن هذا الاتجاه الإيجابي انعكس بحلول نهاية العقد الأول من الألفية، حين بدأ مبدأ الولاء يتفوق على الفصل بين الدولة والقطاع الخاص، إذ كانت الشركات الموالية لتصرفات السلطات أكثر قدرة على النمو والازدهار، في حين لم تمنح الضمانات للشركات التي اعتبرت غير موالية. بحلول أواخر العقد الأول من الألفية الثالثة، أصبحت سيادة القانون أكثر تآكلاً، وأصبح القضاء تابعاً، إلى حد كبير، للسلطة التنفيذية وحرسها القديم.
وقد أدى ذلك إلى زيادة الفساد وتطبيق القانون بصورة انتقائية، وترك الشركات الصغيرة والمتوسطة عرضة للغارات وعمليات الابتزاز التي تقوم بها السلطات نفسها المنوط بها حمايتها. وبمعنى أعم، أصبح الاقتصاد خاضعاً لهيمنة الشركات الكبرى في قطاع المواد الخام، وأصبحت موثوقية السياسة المالية السابقة كذلك شيئاً من الماضي.
وحتى بعد ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، حاولت السلطات كسر تعهدها لدافعي الضرائب، من خلال رفع معدل الضريبة الاجتماعية. وربما كان دافعو الضرائب سيتفهمون ذلك القرار بدرجة أكبر، لو أن الحكومة لم تكن مستمرة في كسب دخل أكثر من صادرات المواد الخام.
ومن الواضح أن عدم وضوح الخط الفاصل بين الحكومة ورجال الأعمال، ساهم في نمو الاحتكارات والمنافسة غير المشروعة. وإضافة إلى ذلك، فإن نمو الاقتصاد لم يتقدم نقطة مئوية واحدة خلال الفترة من 2008 إلى 2011، ما أدى إلى تجدد ظاهرة هروب الاستثمار، وهجرة العقول الروسية الأكثر ابتكارا.
وبالطبع، فإن هذا في مجمله يعود إلى الأزمة الاقتصادية العالمية، وحتى الاقتصادات الأكثر تقدما شهدت تباطؤا. ولكن خلال الفترة ذاتها، نمت اقتصادات شركاء روسيا في مجموعة "بريك"، أي الصين والهند والبرازيل، بنسب 31% و26% و11%، على التوالي، وكان سعر النفط، ولا يزال، مناسباً جداً بالنسبة إلى روسيا.
ليست هناك حاجة إلى توجيه أصابع الاتهام، ولكن الشعب الروسي يواجه الآن خياراً آخر، كذلك الذي واجهه في أوائل الألفية الثالثة.