بعد مرور عام من اندلاع الثورة المصرية، صار العالم أقل حرية، لأن الطغاة تصدوا للربيع العربي. لكنهم بدأوا الآن يستشعرون الخطر، الأمر الذي يعزز قضية الديمقراطية. فالثورة المصرية التي انطلقت في الخامس والعشرين من يناير عام 2011، تمكنت خلال 18 يوماً من الإطاحة بطاغية حكم مصر لفترة طويلة. وهذا الحدث المذهل، الذي غيّر المفاهيم القديمة بشأن عدم اكتراث العرب بالحرية، لا يزال يبث الأمل في قلوب الذين يعيشون تحت وطأة القمع.
لكن هذا الحدث كان له تأثير آخر أيضا، فقد أرغم الطغاة الباقين في العالم على أن يصبحوا في موقف دفاعي. فهم يخشون من أن يكون الربيع العربي قد زرع بذرة أخلاقية. وشعوبهم ربما تدرك الآن أنها تستحق الحرية أيضاً، وأن بإمكانها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم صفوفها والنزول إلى الشارع لنيل الحرية. وخلال العام الماضي، عمد بعض الأنظمة الحاكمة، من الصين وحتى شواطئ المحيط الأطلسي، إلى اتخاذ إجراءات أشد قمعاً ضد المنشقين والإنترنت، أو أنها حاولت استمالة شعوبها عبر ضخ الأموال أو إجراء إصلاحات سياسية ضئيلة. وكانت النتيجة، ويا للغرابة، هي التراجع في الحرية على مستوى العالم منذ أن بدأ الربيع العربي، وذلك وفقاً لتقرير منظمة فريدوم هاوس الأميركية التي تجري تقييماً لهذه المسألة.
وبالنسبة للصين، على سبيل المثال، فقد لخّص التقرير رد الفعل في بكين على الاحتجاجات التي اندلعت في ميدان التحرير في القاهرة، بأنه "حملة توشك أن تكون هستيرية من الاعتقالات والحجز الانفرادي ومراقبة الصحافة والإنترنت". لكن رد الفعل المفرط بهذا الشكل، ربما يكون متوقعاً. يقول آرتش بودينغتون، نائب رئيس مجلس الحريات، إن فكرة "هالة الصمود المستحيل اختراقه" قد تبددت بفعل الربيع العربي.
فالحكام القساة يضطرون الآن لتبرير حكمهم، ما يدفعهم على نحو أعمق نحو ركن ضيق، الأمر الذي قد يحسم أمرهم بشكل نهائي. الأفكار الطيبة، مثل الحرية، لها أساليبها في الترويج لنفسها، وإجبار الشر على الخروج إلى مكان مكشوف، حيث يمكن طعنه بسهولة أكبر. لكن لا تزال هناك حاجة لحماية الديمقراطيات الجديدة من الانتكاس. لقد تعرضت الثورات الأوروبية في عام 1848 للقمع، ومعظم الدول التي انفصلت عن الاتحاد السوفييتي السابق بعد عام 1991، ليست حرة في أغلب الأحيان.
لكن هذه الدول توازنها موجات الاتجاه إلى الديمقراطية في أميركا اللاتينية وآسيا، التي بدأت خلال عقد السبعينات من القرن الماضي، ثم في أوروبا الشرقية بعد سقوط سور برلين في عام 1989. ولا يزال الانزلاق إلى الوراء أمراً شائعاً للغاية. فقد أحكمت أوكرانيا والمجر قبضتهما على المعارضة، وتمارس تركيا القمع على وسائل الإعلام، وإسرائيل تتخذ إجراءات ضد نشطائها. ولحسن الحظ، كشفت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إحجامها عن الترويج للديمقراطية، وهو الإحجام الذي كان بمثابة رد الفعل المفرط على "أجندة الحرية"، خلال عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش.
فالرئيس أوباما يشير إلى الديمقراطية في خطبه، ومنذ عام مضى، تحرك أوباما لمساعدة المصريين على خلع الرئيس المصري السابق حسني مبارك، ثم السماح لقوات حلف "ناتو" بالتخلص من الرئيس الليبي السابق معمر القذافي. من بين جميع مصالح الغرب في الدول الأخرى، بدءاً بالتبادل التجاري حتى منع انتشار الأسلحة النووية، فإن ما من مصلحة خدمت السلام والازدهار بقدر ما خدمهما انتشار الديمقراطية. ويمكن للغرب الآن أن يعول على الديمقراطيات في مناطق مختلفة، مثل البرازيل والهند وإندونيسيا، ليكونوا شركاء في دعم التوجه التاريخي للديمقراطية.