تتمثل إحدى مفاجآت الربيع العربي التي تلقى الترحيب في الكيفية التي رفض بها المحتجون الشباب كذبة كبيرة. فمن ليبيا إلى سوريا، من الواضح أنهم رفضوا ادعاء الحكام المستبدين المتداعين القائل إن الغرب يقف وراء هذه الثورات.
إنها رواية بالية تلك التي تفيد أن العرب هم ضحايا أيد أجنبية، وأنهم لا يزالون يتعرضون للإذلال من قبل القوى الكبرى غير الإسلامية على نحو ما حدث في القرنين التاسع عشر والعشرين. ففي حين أن الكثير من هذا التاريخ حقيقي، فإن عرب اليوم يريدون التركيز على اكتساب الحقوق والحرية والكرامة.
وربما يمثل استعدادهم لتجاهل المظالم التاريخية تحولاً عالمياً بعيداً عن إساءة استخدام التاريخ من قبل القادة من أجل أغراض سياسية أو أغراض تتسم بالعنف. «الغضب الإسلامي» القديم الذي دفع العرب يوماً ما لدعم الدكتاتوريين أو جماعات مثل تنظيم القاعدة لا يمكنه ان ينافس إغراء الديمقراطية والازدهار.
قد يتمثل سبب آخر في أن العالم قد ابتعد بشكل عام عن الحروب وانتهاكات بالجملة التي تركت آثاراً عميقة في نفسية شعوب بأكملها، كالأرمن والصينيين. هناك عدد أكبر من الدول ديمقراطية وحريصة على التجارة لا القتال. الأسلحة الحديثة تمنحها فرصة للتروي نظراً لاستخدامها السهل، وهناك المزيد من الدول تتبع الأعراف الدولية.
من المؤكد أن مثل هذا التحول ليس بالأمر السهل؛ فالفلسطينيون والإسرائيليون يعانون بشكل خاص من السرد المتبادل بشأن التحول إلى ضحية تاريخية.
كانت تلك اللحظة مماثلة لمصالحة ما بعد الحرب بين فرنسا وألمانيا، والتي انعكست في قيام قادة البلدين بمصافحة الأيدي في عام 1948، أو اعتذار توني بلير عن إساءة المعاملة التاريخية من جانب بريطانيا للأيرلنديين. هذه أمثلة من «التاريخ الذي يطرح نفسه بوصفه مشرّف»، على حد وصف لورانس ويشلر الأستاذ والكاتب في جامعة نيو يورك. إنها أمثلة ضرورية لالتئام الجروح القديمة وصنع السلام.
في السنوات الأخيرة، أطلق القادة في الصين احتجاجات ضد اليابان وفرنسا وغيرهما من خلال الاستشهاد بالقمع الذي كانت تمارسه تلك الدول في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مثل حرب الأفيون التي جرت خلال الفترة بين عامي 1839 و1842.
وتساعد مثل هذه النداءات على إثارة النزعة القومية من أجل الحفاظ على سلطة الحزب الشيوعي في الصين. لكن قادة الحزب اضطروا إلى كبح جماح مثل هذا الخطاب المتذمّر من أجل الحيلولة دون تحول هذه المظاهرات ضدهم.
كيف يمكن أن تتصالح الدول؟
غالباً فهي بحاجة إلى محاولة لكتابة تاريخ مشترك بعد مرور عقود من الحرب؛ فقد فعلت ذلك فرنسا وألمانيا، وحاولت كوريا الجنوبية واليابان لكنهما فشلتا، على الرغم من أن هذا أفضل حالاً بكثير من كوريا الشمالية التي تستشهد بالانتهاكات الماضية لليابان لتبرير التهديدات العسكرية.
تحاول بعض الدول إضفاء صبغة تشريعية على التاريخ. في الآونة الأخيرة، أقرّ نواب البرلمان الفرنسي قانوناً يجرّم إنكار أن القتل الجماعي للأرمن على أيدي الأتراك العثمانيين كان إبادة جماعية. فالحقيقة، كما يبدو، يتعين فرضها بالقوة في فرنسا.
ربما تكون عقلية الضحية مفيدة لفترة من الوقت سعياً لتحقيق العدالة والحقيقة، ولكن عند نقطة معينة فإنه يمكن أيضا أن يساء استخدامها؛ فالزعيم الصربي الراحل سلوبودان ميلوسيفيتش حوّل منطقة البلقان إلى ساحات للقتل خلال عقد التسعينات من خلال إذكاء نيران الأحقاد الصربية القديمة في مواجهة الأخطاء القديمة التي ارتكبت بحقهم.
حاول زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن حشد المسلمين مستنداً إلى «الذل والعار» اللذين ألحقا بالمسلمين على يد الغرب «على امتداد ما يزيد على 880 عاماً.
قضيته خاسرة، ليس بسبب مقتله في العام الماضي فحسب، ولكن بسبب رسالة الربيع العربي التي مفادها أن علينا ترك الأحداث الماضية للماضي، والعنف لا يمكن تبريره من خلال الماضي البعيد.