نادراً ما يستضيف قسم متابعة المستجدات في البنتاغون جميع قادة الأسلحة الأميركيين، ناهيك عن الرئيس. وقد كان استخدامها من قبل الرئيس الأميركي باراك أوباما للإعلان عن خلاصات مراجعته الجديدة لاستراتيجية الدفاع، يهدف إلى إضافة إحساس بالدراما. ومن المرجح أن مؤرخي المستقبل سيستنتجون أن ذلك هو الأسبوع الذي تمحورت فيه استراتيجية أميركا الخارجية والدفاعية بشكل حاسم، بعيداً عن أوروبا، في اتجاه المحيط الهادئ. والأدهى من ذلك، أن ذلك الأسبوع قد يشكل بداية سباق أسلحة جديد، وإن كان خفياً، بين الولايات المتحدة ومنافستها الطموحة، الصين.
ومع ذلك، فستظل الهيمنة العسكرية الأميركية بلا منازع في المستقبل المنظور. فرغم كشف أوباما عن خفض الإنفاق بما يقرب من 50 مليار دولار خلال العقد المقبل، فإن هذا المبلغ لا يشكل سوى تقليم خفيف بالنسبة لجهاز دفاعي تبلغ ميزانيته السنوية 650 مليار دولار، أي ما يعادل 45% من جميع النفقات العسكرية في العالم. ولا تعمد أميركا إلى استئصال القدرات بالأسلوب الأحمق ذاته الذي تتبعه الحكومات البريطانية، بل تعمد إلى تركيز قوتها على تحديات القرن المقبل الاستراتيجية.
ويمكن تلخيص هذه التحديات ببساطة في الكفاح من أجل السيادة في آسيا، وهي موطن الدول الأكثر ازدحاماً بالسكان والاقتصادات الأسرع نمواً، وفي الاستجابة للأزمات المفاجئة. وفي سبيل تحقيق هذه الغاية، ستقوم الولايات المتحدة بتقليص وجودها في أوروبا، والاستغناء عن 90 ألفاً من جنودها، وتعزيز وجودها في منطقة المحيط الهادئ، من خلال إنشاء قواعد جديدة في أستراليا وغيرها.
وعلى الصعيد العسكري البحت، تبرز نقطتان اثنتان. فقد تكون الولايات المتحدة في غمار تقليص جيشها، إلا أنها استبعدت تقليص أسطولها الذي يضم 11 حاملة طائرات. وفي حين أن ميزانية الدفاع الصينية سجلت ارتفاعات كبيرة على امتداد العقد الماضي، فإنها لم تطلق حتى الآن سوى حاملة طائرات واحدة. وقد أكد أوباما عزمه على الاستثمار في «الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع». وببساطة، فإن الولايات المتحدة ستسعى إلى توسيع نطاق ريادتها في أكثر أنظمة القتال تقدماً.
ويمكن لمسار أميركا الجديد أن يتحول كثيراً، إثر صدمة استراتيجية مماثلة لهجمات 11 سبتمبر. ومع ذلك، فإن هذه الخطة ستكون لها عواقب بالغة الأهمية بالنسبة لأوروبا وآسيا على حد سواء.
فقد ضمنت الولايات المتحدة، على امتداد عقود من الزمن، أمن المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، ما سمح لأوروبا بالتحرك مجاناً، ولدول حلف شمال الأطلسي بتخفيض ميزانياتها الدفاعية. ويقترب هذا العصر من نهايته بسرعة كبيرة. ويتعين على ألمانيا، على وجه الخصوص، أن تتغلب على عبء تاريخها وتواجه المسؤوليات التي تتناسب مع كونها قوة اقتصادية قيادية مهيمنة في القارة.
وبشكل مدروس، تجنب أوباما في خطابه ذكر الصين، وهي الدولة التي قد تكون الأكثر عرضة للمخاطر. وسيتعين على قادة بكين الآن أن يصنعوا خياراتهم بعيدة المدى بأنفسهم. وكما أظهرت الأحداث في بورما، فإن نهضة الصين «السلمية» نبهت العديد من جيرانها، فبالنسبة لمعظم البلدان في المنطقة، تظل السلطة والقيم الأميركية أكثر جاذبية. وعلاوة على ذلك، فقد أصبحت الصين غنية بفضل التجارة، لا سيما مع الولايات المتحدة.
وفي إطار مواجهتها لسياسة الاحتواء التي تنتهجها أميركا بهدوء عبر المحيط الهادئ، فإن الصين ستبحث عن كعب أخيل البحرية الأميركية، وستصل إلى حد الكمال بجيل جديد من الصواريخ القادرة على تدمير حاملات الطائرات من على بعد مئات الأميال.