يمكن للمرء، في الشؤون الدولية، وفي هذه اللحظة، أن يواجه اتجاهات عدة. هناك بالتأكيد الكثير مما يستدعي الخوف، كإصدار السلطات الصينية حكماً بسجن الكاتب الليبرالي البارز تشن وي لمدة تسع سنوات بتهمة كتابة مقالات تحث على الحرية السياسية، وتوقيع أكثر من 40 ألف روسي على ما يعد بأن يكون أكبر احتجاج انتخابي في موسكو حتى الآن. ويمكن القول بسهولة إن الربيع العربي تحول إلى شتاء عقيم في مصر وليبيا واليمن كذلك.
ولكن وجهة النظر البديلة، ويمكننا المجادلة بأنها الأكثر إلحاحاً، تشيد بحقيقة أن الربيع العربي قد حدث على الإطلاق. فقد كان هناك الكثير من الخبراء الذين قالوا إن العالم العربي لا يستطيع أن يقف في وجه الأنظمة الفاسدة، ولن يفعل ذلك أبداً، ناهيك عن أن الثورة سيقودها أناس عاديون خرجوا إلى الشوارع انطلاقاً من شعور بسيط بالإحباط العميق إزاء طريقة عمل النظام. ولم يكن عدد كبير منهم ليقول إنه، بعد عام من النتائج غير المؤكدة والمتغيرة، ستستمر الروح نفسها في تحفيز الناس على الاحتجاج، على الرغم من كل الجهود التي تهدف إلى القضاء عليهم، وإن الاضطرابات ستمتد إلى روسيا والصين وآسيا الوسطى، وحتى إلى الهند، إذا أمكن تضمين التظاهرات الأخيرة لمكافحة الفساد.
وبطبيعة الحال، فإن كل هذه التطورات ليست سواء، ناهيك عن كونها جزءاً من حركة سياسية أو اجتماعية عالمية كبرى. وفي الواقع، فإن أحد الأشياء غير العادية التي تميز هذه التطورات هو تباينها. فهي ليست نوعاً من السعي المنضبط للاستيلاء على السلطة، كما حدث في الثورات الشيوعية في القرن الماضي. ونحن لا نشهد ثمار التغيير الاقتصادي. إذ إن احتجاجات الفلاحين ضد مصادرة الأراضي وهدم المنازل وبناء السدود النهرية في الصين هي ردود فعل معارضة لمثل هذا التغيير، في حين أن الثورات في شمال إفريقيا هي تعبير عن رغبة الناس في المشاركة فيه.
ومع ذلك، فإن كل هذه الحركات تشترك في بعض الموضوعات. وعلى رأسها المطالبة بالحرية. فمن السهل للغاية بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في الغرب أن يختصروا ذلك بدعوة بسيطة إلى الديمقراطية. ولكن الأمر أكثر تعقيداً، وفي بعض النواحي، أكثر غموضاً من ذلك. والمطالبة بانتخابات حرة ونزيهة هي جزء منه. ولكن شقاً كبيراً من الإحباط موجه أيضاً ضد ما تمارسه الأنظمة الاستبدادية من احتكار للقوة الاقتصادية. وتمثل عبارة «فليسقط الفساد» النداء الوحيد المشترك في الساحة الحمراء في موسكو، وفي قرى غواندونغ، وفي ميدان التحرير بالقاهرة. وعلى الرغم من أن الشبكات الاجتماعية قد لعبت دوراً رئيساً في إعطاء هذه الحركات التنظيم اللوجستي الذي ميزها، فإنها لم توجهها، ولم تضف الانضباط عليها.
ومع الأسف، فإن الافتقار إلى نظام صارم سهل على الأنظمة المصممة الدفاع عن نفسها. ففي الصين، عمدت بكين إلى تقسيم المعارضة، من خلال تضييق الخناق على مثقفي الطبقة الوسطى، الذين يريدون الحرية السياسية والتفاوض مع الفلاحين، الذين يطالبون بالتحرر من القمع الاقتصادي في الوقت ذاته.
وفي هذه المرحلة، لا أحد يعرف ما سيؤول إليه فيض الاحتجاجات الشعبية الذي شهده عام 2011، بعد إسقاط الأنظمة كما حدث في تونس، وبعد الحرب الأهلية والتدخل الغربي كما حدث في ليبيا. ولكن مع دفن التشيكيين لزعيم ثورتهم المخملية فاكلاف هافل يجدر بنا أن نتذكر ما يمكن لقوة الشعب أن تحققه. وفيما يتم تكريمه، ونسترخي نحن لعيد الميلاد، ينبغي علينا أن نحيي شجاعة جميع الرجال والنساء العاديين الذين خرجوا إلى الشوارع في جميع أنحاء العالم.