مرت ثماني سنوات صعبة على عبور أول دفعة من القوات الأميركية والبريطانية للحدود الكويتية في بداية عملية «حرية العراق»، وهي الحملة التي كانت تهدف إلى الإطاحة بنظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وبعد أن قام الرئيس الأميركي باراك أوباما أخيراً بالإعلان عن أنه تم الانتهاء من سحب القوات الأميركية، تنشأ أسئلة لا بد منها بشأن ما إذا كانت هذه المهمة تستحق تكلفتها الهائلة في نهاية المطاف، حيث وصل الثمن الذي دفعته الولايات المتحدة من أجل الإطاحة بالدكتاتور إلى فقدان ما يقرب من 4500 جندي أميركي وتريليون دولار، مما يجعل هذا التدخل العسكري أكثر التدخلات العسكرية الأميركية تكلفة منذ حرب فيتنام، أما القتلى البريطانيون فقد وصل عددهم إلى 179 قتيلاً.

وقد تكبد العراقيون، كذلك، خسائر فادحة، في الوقت الذي مزقت الكراهية الطائفية العنيفة بلادهم أشلاء نتيجة لسياسة الحكم الكارثية التي تبنتها واشنطن في مرحلة ما بعد الحرب، وقد نجم عن فرض إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش لسياسة «اجتثاث البعث» التي لم تحظ بأي شعبية، وعن عدم توفير البنتاغون قوات كافية في سبيل الحفاظ على السلام، مقتل ما يصل إلى 112 ألفاً من المدنيين، وتظل هناك تساؤلات خطيرة حول ما اذا كانت تلك الحرب مشروعة في المقام الأول، وهو الموضوع الذي يتم تحليله عن كثب من خلال تحقيق السير جون شيلكوت، الذي لم يصدر تقريره في هذا الشأن بعد، وبالتأكيد، لا يمكن إجراء أي تقييم مناسب لمزايا التدخل البريطاني أو مساوئه قبل أن يقوم السير جون بتسليم نتائج تحقيقه، وهذا ما يجعل من المؤسف أكثر أنه قد تم تأجيل نشر النتائج حتى الصيف المقبل، وذلك بسبب رفض إدارات معينة في الحكومة البريطانية الكشف عن بعض الوثائق الحساسة.

ولكن على الرغم مما قيل، فقد كان الرئيس أوباما محقاً من منظوره كرئيس أميركي في إشادته بالتضحيات التي بذلها الجنود الأميركيون الذين خدموا في العراق، حين قال إن آخر الجنود الاميركيين «سوف يعبرون الحدود من العراق فخورين ومرفوعي الرأس»، ولا يمكن تحميل أولئك الجنود مسؤولية أخطاء قادتهم السياسيين، ويعني عزمهم على مواصلة المسيرة في ظل ظروف صعبة أن العراق أصبح اليوم مكانا أفضل مما كان عليه في عهد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، فعلى الرغم من أن حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قد لا تروق للجميع، إلا أنها على الأقل حكومة منتخبة، وهو أكثر مما يمكن قوله عن حكومة صدام، وقد بدأ العراق أيضاً في استغلال احتياطاته النفطية، إذ وصل إنتاجه الآن إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً.

إن العراق الجديد يواجه تحديات كثيرة، لا سيما ضرورة مبادرة الأغلبية الشيعية إلى معالجة شكاوى السنة والأكراد الذين يشعرون بالاستياء، إلى جانب ضرورة إبقاء المتشددين تحت السيطرة، ولكنه يقدم في الوقت ذاته فرصاً كثيرة، خصوصاً بالنسبة للشركات البريطانية، التي تجازف بالتخلف عن ركب نظيراتها الأوروبية عندما يتعلق الأمر ببناء علاقات مع هذه الدولة الجديدة. يجب علينا جميعاً أن نأمل أن يقوم العراقيون باتخاذ قرارات صائبة الآن، وذلك لكي لا تذهب التضحيات التي حصدتها السنوات الثماني الماضية سدى.