بعد مرور أقل من أسبوع على رحيل آخر جندي من القوات الأميركية، هزت سلسلة من عشرات الانفجارات العراق، مودية بحياة العشرات في أحياء مختلفة من أرجاء بغداد، مما ينذر ظاهرياً بعودة العنف الطائفي الذي أبقاه الرئيس العراقي السابق صدام حسين، والجيش الأميركي من بعده، في القمقم لعقود. ويحذر الخبير في شؤون العراق في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، ستيفن بيدل، قائلاً: «تلك هي أنواع الهجمات التي يمكن أن تعيد العراق إلى عام 2006» عندما وجدت البلاد نفسها وسط حرب أهلية.
لكن هذه الهجمات التي ستليها هجمات أخرى، بكل تأكيد، لا تعني أن البلاد ستنهار بالضرورة، حسب المحلل العسكري في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أنتوني كوردسمان، الذي يقول: «إن هذا النوع من الانتقال المتصف بعدم الاستقرار هو نموذج لما يحصل في ظل تلك الظروف، والعراق قد تعكره مثل هذه الأحداث، والصراع السياسي على السلطة قد يحفز شيئاً ما يقرب لتسوية وطنية حقيقية». لكن كوردسمان، في تقرير أصدره أخيراً، يستنتج ان الحرب كانت مغامرة تعسة بالنسبة لواشنطن.
يكتب كوردسمان قائلاً: «حققت القوات الأميركية والعراقية انتصارات تكتيكية مؤثرة على المسلحين في العراق خلال الأعوام 2005-2009، لكن الغزو الأميركي يبدو الآن كفشل استراتيجي كبير على أرض الواقع، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التكلفة في المال والدماء، والنتائج الاستراتيجية لما بعد الصراع، والفوائد التي كان يمكن ان تجنيها أميركا نتيجة لاستخدام مواردها السياسية والعسكرية والاقتصادية بطرق أخرى».
من الذي انتصر إذن؟ يقول كوردسمان: «إلى أن تتصرف أميركا بشكل أكثر حزماً، يبدو على الأرجح أن الأطراف الإقليمية هي الرابح الفعلي من الغزو الأميركي للعراق، خصوصاً وأن هناك الجيرة والموارد الثقافية والعسكرية والاقتصادية المتوافرة للتأثير في العراق، ويضيف: «كذلك يبدو أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قد همش ما يكفي من الأطراف في الداخل، وأثار الكثير من المخاوف، مما يجعله اكثر اعتماداً على الأطراف الإقليمية تلك ».
وكان الناطق باسم البيت الأبيض، جاي كارني، قد أوضح أخيراً، أن سحب القوات الأميركية له كل العلاقة بالعنف الآتي، حيث قال: «ربما لم يكن الناس يعيرون الأمر انتباهاً، لكن الخلافات السياسية كانت تحدث في الوقت الذي كان عدد الجنود الأميركيين يزداد في العراق من 40 ألف جندي إلى 80 ألفاً، ثم إلى 150 ألفاً، ونحن بالتأكيد نتوقع أن تكون هناك أوقات صعبة مقبلة في العراق، لكن ما تم إحرازه من تقدم كان مهماً».
لكن حتى قبل الانفجارات الأخيرة، كانت الخلافات تنفجر في واشنطن حول ما إذا كانت الحرب التي قادتها أميركا في العراق، والتي دامت تسع سنوات، «تستحق كل هذا»، كما صرح بذلك وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا وعدد من كبار القادة العسكريين.
وبيت القصيد يبقى هو نفسه في العراق: إذا عادت البلاد إلى الحرب الأهلية في الأشهر المقبلة، فما قيمة 4500 قتيل أميركي و30 ألفاً من الجرحى الأميركيين وانفاق حوالي تريليون دولار من أموال دافعي الضرائب؟
وأخيراً، انتقل الخط الأميركي من النصر إلى اقتناص الفرص.
فقد قال الناطق باسم البنتاغون جورج ليتل: «لقد أعطت القوات الأميركية العراقيين فرصة لمستقبل أفضل، ليحددوا بأنفسهم الطريق الذي سيسلكونه، ولتحديد كيف سيبدو العراق السيد الحر والديمقراطي».
ويضيف الكابتن في البحرية الأميركية جون كربي: «إنها فرصتهم لاقتناصها بالقبض على الحلقة النحاسية»، وبعضنا أصبح موغلاً في العمر حيث يذكر ركوب الدوارة، والوصول إلى تلك الحلقة النحاسية، وأيامها كان ركوب الدوارة لا يكلف إلا القليل.