اندلاع العنف على نطاق واسع في بغداد في غضون ساعات من انسحاب القوات الأميركية من العراق نذير شؤم. فقد تم استهداف الأطفال في المدارس والركاب الذين كانوا يمضون في طريقهم إلى أعمالهم، فيما يبدو محاولة متعمدة لإثارة التوترات الطائفية هناك. وادعاء الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن القوات الأميركية ترحل تاركة وراءها «عراقاً» ذا سيادة ومستقراً معتمداً على نفسه هو ادعاء أجوف.
الاتفاق الذي أبرمته واشنطن بين طوائف الشيعة والسنة والأكراد في العراق كان دائما يتسم بالتوتر. وبات خطر انهياره الآن، وقد انتهى الاحتلال الأميركي بعد تسع سنوات، أمراً واقعياً جداً. ولم يتضح من الذي يقف وراء التفجيرات، لكن السنة والشيعة سرعان ما بادر كلاهما لإلقاء اللوم على الآخر. وأياً كانت الطريقة، فمن الواضح أن هناك قوى ذات بأس في العراق تنتظر هذه اللحظة لاتخاذ هذه الخطوة لتحقيق التفوق.
ماذا سيحدث الآن؟ من الاحتمالات الواردة أن رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، سوف يتحرك لتكرار نموذج الرئيس العراقي الراحل صدام حسين باعتباره رجل العراق القوي. فهو يقوم بنشر عناصر جهاز أمن الدولة بالفعل ضد منتقديه من السنة على أساس أنهم متعاطفون مع حزب البعث المحظور.
فقد أصدر المالكي أمراً باعتقال أعلى شخصية سياسية سنية في العراق، وهو نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي، على أساس ما يبدو أنها تهم إرهاب ملفقة. وطلب من البرلمان العراقي عزل سياسي سني آخر بارز، وهو صالح المطلق من منصبه كنائب لرئيس الوزراء. من يؤمنون بنظرية المؤامرة من السنة في العراق يعلنون أن هناك صفقة سرية بين المالكي وواشنطن مفادها أنه ينبغي أن يصبح دكتاتور العراق الجديد.
لقد هرع الهاشمي إلى كردستان العراقية لطلب الحماية من الحكومة الإقليمية الكردية. وكان الأكراد، الذين يشكلون المجموعة الرئيسة الثالثة في العراق، سبق أن أثبتوا أنهم وحدهم قادرون على لعب دور الوسيط النزيه بين السنة والشيعة، على الرغم من أن أياً من هذين لم يقدم دعماً لفكرة الفيدرالية في العراق مع الأكراد كمنطقة حكم ذاتي. لكن حدث تحوّل في التوازن الآن وقد بدأت المحافظات ذات الأغلبية السنية، التي رفضت مبدأ الفيدرالية، تبني الفكرة، لإثارة غضب الشيعة. اتفاق تقاسم السلطة الذي وضعه الأميركيون وتم التوصل إليه في غضون تسعة اشهر من المشاحنات بعد الانتخابات، يتداعى.
الفائز الأكبر الوحيد في كل هذا هو قوة إقليمية مجاورة. فقد أدت الإطاحة بصدام حسين إلى وضع نهاية لهيمنة السنة على العراق. منحت الديمقراطية رأياً للغالبية الشيعية التي تشعر بتقاربها الطبيعي مع قوى إقليمية أخرى، ما يشكل مزيدا من التحصن ضد النفوذ الأميركي في المنطقة. تلك القوى تعمل من وراء الكواليس لدعم المالكي من خلال ميليشيات مدعومة، والتي تعتبر بالفعل قوة كبيرة في العراق.
المشهد العراقي ينطوي على مزيج قوي. فما حدث في يوغوسلافيا بعد وفاة رجلها القوي المارشال «تيتو» قد يكون على وشك أن يتكرر في الوضع المتفجر لبلقنة العراق. ولا يمكن التكهن بتحديد من الذي سيندفع لملء الفراغ الذي خلفته أميركا وراءها.