قليلة هي الأحداث التي تضاهي في احتمال زعزعتها للأنظمة غير الديمقراطية موت زعيم أعلى بصورة مفاجئة. ومع انحسار عدد الدول الشمولية في العالم، لحسن الحظ، انحسر هذا المفهوم أيضاً. ولكن تم إحياؤه أخيراً بدرجة أكبر، بعد إعلان بيونغيانغ عن أن «الزعيم المحبوب» كيم جونغ ايل مات فجأة أثناء سفره خارج عاصمة كوريا الشمالية في قطاره الخاص.

وليست هناك أدنى مفارقة في ذلك. إذ إن إحدى الحقائق القليلة المعروفة عن هذا الفرد المنعزل هي أنه كان يتجنب الطيران. وفي أغسطس الماضي، ذهب في رحلته الثانية إلى موسكو عبر السكك الحديدية. وقد قيد هذا النفور اتصاله بالعالم الخارجي، حتى لو كانت لديه أية رغبة في تأسيس علاقات خارجية، على الرغم من عدم وجود أدنى دليل على ذلك. وهناك أيضا ظرفان اثنان يحتمل أن يخففا من الانعكاسات المباشرة لوفاة كيم المبكرة، محلياً على الأقل.

الظرف الأول هو السرعة النسبية لهذا الإعلان. فقد ترددت شائعات عن وفاة كيم في السابق، مع تصديق المراقبين الأجانب عموماً بأن وفاته لن يتم الإعلان عنها بالضرورة قبل أن يصبح غيابه محرجاً للغاية. وحين حدثت الوفاة بالفعل، فإن السلطات الكورية الشمالية ارتأت، فيما يبدو، أنه حتى عزلة كوريا الشمالية لم تكن بالدرجة التي تمكنهم من المجازفة بتداول شائعات لها أساس من الصحة، هذه المرة، لفترة طويلة.

والثاني هو أن كيم بدا وكأنه كان يجري استعدادات مبكرة للخلافة، وذلك حين قام بترقية ابنه الأصغر كيم جونغ أون إلى رتبة جنرال ذي أربع نجوم قبل عام، وخصص له دوراً أكبر في شؤون الدولة.

والافتراض هو أن كيم جونغ أون سيخلف والده، تماماً كما خلف كيم جونغ ايل والده، مما يجعل من كوريا الشمالية إحدى أكثر الديكتاتوريات الوراثية غير الملكية دواماً على مستوى العالم. غير أن كيم الأحدث لا يزال في عقده الثاني، ولم يتم اختباره في السلطة.

وهو ما لا يبشر بأنه سينجو من العواصف والخصومات التي قد تقع في المستقبل. ومع ذلك فلا بد من التساؤل عما إذا كان الاستقرار، بمعنى المزيد من استمرارية الأوضاع على ما هي عليه، هو حقاً ما تريده كوريا الشمالية أو شعبها، بالنظر إلى ما أبداه من حزن وذهول في الآونة الأخيرة.

فمع كل العزلة والفقر، ظل سكان كوريا الشمالية عبيداً للماضي، في حين عمد زعماؤهم إلى توجيه موارد البلاد الشحيحة إلى الجيش. والتباين بين الشمال الأجرد والجنوب المزدهر هو في حد ذاته إدانة للنظام في بيونغيانغ.

وتعد مسألة صلاحية الرؤوس الحربية النووية التي طورتها كوريا الشمالية موضع جدل. ولكن وضع أسلحة لا يمكن الاعتماد عليها بين يدي زعيم متوتر وتنقصه الخبرة يشكل مزيجاً قاتلاً. وقد أطلقت كوريا الشمالية هجمات تقليدية محدودة النطاق على أراض جنوبية مرتين خلال السنة الماضية، مما أوصل الدولتين إلى شفا حرب شاملة.

وفي حال أبدت كوريا الشمالية أي مؤشر للتغيير، فإن ذلك لن يقلق كوريا الجنوبية فحسب، بل اليابان والصين وروسيا والولايات المتحدة أيضاً. ومع تأمل الصين في اضطراباتها الخاصة، فإن المنطقة بأسرها تبدو فجأة أقل استقراراً مما كانت عليه.

قبل عشرين عاماً، كان العالم يفكر في نهاية وشيكة للاتحاد السوفييتي. وقد شهد العام الحالي سقوط أو اهتزاز أنظمة الاستبدادية على امتداد شمال إفريقيا والشرق الأوسط. وخلال كل ذلك الوقت، بدا شمال شرق آسيا، على الرغم من التوترات الكامنة، منطقة يسودها هدوء نسبي. ومهما كانت العواقب، فإن ذلك لا يمكن اعتباره أمراً مفروغاً منه.