ما زال بعض الأسماء، مثل دا نانغ وهوي وهيلتون هانوي، يثير ذكريات مؤلمة بالنسبة للعديد من الأميركيين والفيتناميين، وخصوصا أولئك الذين عانوا بشكل مباشر من حرب فيتنام. ولكن مع مرور الوقت، تتغير وجهات النظر، وتحدث تغييرات مفاجئة. تشكل فيتنام اليوم وجهة سياحية، معروفة بشواطئها المتلألئة ومأكولاتها اللذيذة وشعبها الودود، ويستمتع زوارها بالمضي عبر كهوف الفيتكونغ القديمة، وبالتجول في ساحات معارك سابقة، وبعلاجات التدليك في منتجعات ساحلية خارج مدينة دا نانغ. ولا يوجد أي من فنادق "هيلتون" في مدينة هانوي، ولكن الموقع الإلكتروني لفندق "شيراتون" الموجود هناك، يفخر بـ"ديكور يجمع بين الطراز التقليدي المحلي والتأثير الكولونيالي الفرنسي، مما يضمن الشعور بالدفء والراحة". يستطيع الوقت أن يفعل ذلك، فهو يخفف من حدة العداوات القديمة، ويدع الصراعات اليائسة لصفحات التاريخ، وتنشأ الأجيال الجديدة وهي لا تحمل سوى فكرة باهتة عن الألم الذي اجتاح حياة آبائهم. وقد أضحت الآن ساحات القتال في ماناساس في ولاية فرجينيا وفي ووترلو في بلجيكا، مروجاً جميلة. وبعد مرور سبعين عاما على تسبب "بيرل هاربور" في دخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، أصبحت طوكيو وبرلين مدينتين أنيقتين ووديتين تليقان بالقرن الحادي والعشرين. وتبدو أعمال العنف المروعة التي اندلعت منذ فترة طويلة، أقرب إلى الغرابة. أما بالنسبة للأميركيين والعراقيين، فإن مغادرة آخر الوحدات العسكرية الأميركية من العراق، تبدأ عملية التدرج البطيء من المضارع إلى الماضي. وتعد مسودة التاريخ الأولى من اختصاص الصحافة، وستصدر الاستعراضات واحدا تلو الآخر على امتداد العقود المقبلة، فيما يجادل المؤرخون في أسباب حرب العراق وسياقها ودلالاتها وتداعياتها. ويمكن للمرء أن يرى مدى تشوه عملية التحليل التاريخي لحرب فيتنام، فحتى بعد مرور 38 عاما على انتهاء التدخل الأميركي العسكري بشكل رسمي، لا تزال الدروس المستفادة محل نقاش. وتجمع الغالبية من الناس على أن جيوش التجنيد الإلزامي وزحف المهمات وسوء معاملة المدنيين والعامل البرتقالي، كلها كانت أفكاراً سيئة. ومع ذلك، لا يزال الجدال قائماً بشأن أسئلة عدة، ومنها سؤال حول ما إذا كانت بقية دول جنوب شرق آسيا قد تراجعت إلى الشيوعية؟ وآخر حول ما إذا كانت النمور الآسيوية، أي هونغ كونغ وسنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية، ستصدر زئيراً، في غياب حاجز النار الذي وضعه الجيش الأميركي في فيتنام؟

ومن الأشخاص الذين فكروا مطولاً وبجدية حول المنظور التاريخي المتغير، أندرو باسفيتش، الذي كان ضابطاً شاباً في الجيش الأميركي في فيتنام، وفقد أحد أبنائه في الجيش الأميركي في العراق. ويستحضر البروفيسور باسفيتش، الذي يدرس العلاقات الدولية في جامعة بوسطن، كيف أن الدروس الأولى المستفادة من فيتنام، ركزت بصورة أساسية على التكتيكات العسكرية. أما من منظور اليوم، كما يقول، فإن تلك التكتيكات تبدو قليلة الأهمية مقارنة بـ"الأسئلة الكبيرة التي تدور حول كيفية وصولنا إلى هناك". ويرى أن هذا النوع من الفهم الخاطئ للتاريخ، يعيد نفسه بالنسبة لحرب العراق، حيث تركز الدروس الأولى على أساليب مكافحة المسلحين، ودور العمليات الخاصة، وغيرها من المسائل التكتيكية. ويقول باسفيتش إن الأسئلة الأكبر لم تطرح مرة أخرى. وأضاف باسفيتش: "إن البلد ككل يبدو عازماً إلى حد كبير على غسل يديه من هذه التجربة". ولعل أهم ما يمكن أن يقال، هو أن الأميركيين يعرفون الآن عن الشرق الأوسط ودور الإسلام وحدود القوة العسكرية، أكثر مما كانوا يعرفونه قبل عام 2003. هذه مجرد بداية، ولن تشكل أي من بغداد أو الفلوجة أو النجف أو سامراء، وجهات للسياحة الأميركية عما قريب.