على امتداد معظم العام الذي يؤذن بالرحيل، اعتبر صعود الإسلام السياسي كأحد المستفيدين من أحداث الربيع العربي، بمثابة مشكلة، لا فرصة. ويميل أولئك الذين يذكرون التأثير الذي أحدثه سيد قطب، مفكر جماعة الإخوان المسلمين، بعد إعدامه في عام 1966، على المنظر المصري أيمن الظواهري وتلميذه أسامة بن لادن، إلى صرف النظر عن الانشقاقات التي تلت ذلك. فقد عمد الظواهري إلى انتقاد حركة حماس حين قررت المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، وندد بجماعة الإخوان المسلمين بسبب معارضتها لاستخدام العنف.

إن النظر إلى حركة الإخوان على أنها تمثل وافداً جديداً على السياسة الديمقراطية، لا يعني مجرد الاعتراض على محافظتهم الاجتماعية، ولكن أيضاً إدامة الحجة، التي طالما استخدمها الحكام المستبدون، والقائلة بأن الحاكم المستبد الذي تعرفه أفضل من المتطرف الذي لا تعرفه.

وتحتم الأحداث الحاصلة على أرض الواقع، القيام بعملية إعادة تقييم. فقد جاء أولاً الانتصار الانتخابي في تونس لحزب النهضة، وهو الحزب الإسلامي الذي حاز على 41 في المئة من المقاعد في المجلس التأسيسي، والذي عمد منذ ذلك الحين إلى تشكيل حكومة انتقالية مع الأحزاب الليبرالية والعلمانية. وأياً كانت نتائج الانتخابات البرلمانية المصرية، فإن حزب العدالة والحرية التابع للإخوان المسلمين، واثق من أنه سيظل يمثل حزب الغالبية.

أولاً، دعونا نلقي نظرة على العملية ذاتها. ففي غضون أسبوع واحد، تحولت المشاهد في مصر من متظاهرين تطلق عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع في ميدان التحرير، إلى طوابير من المصريين المصطفين لساعات تحت المطر، من أجل تذوق الطعم الأول للديمقراطية. ولم تتحقق، حتى الآن، أسوأ مخاوف ميدان التحرير. وقد أظهر الإقبال الكبير على صناديق الاقتراع، أن مصر أكبر تكمن خلف تلك المشاهد.

ولا يعني هذا الانتقاص من شأن النضال السياسي الذي حدث هناك، أو التمنع الشديد من جانب المجلس الأعلى للقوات المسلحة عن العودة الى الثكنات العسكرية. إلا أن الحجة القائلة بأن الدولة كانت تمر بحالة من الاضطراب لا تسمح بإجراء هذه الانتخابات، لم يتم التأكد من صحتها حتى هذه اللحظة.

إن الفرصة التي تقدمها النتائج التي تضع حزباً إسلامياً إصلاحياً في المقدمة، هي أن ذلك الحزب يمثل حركة داخلية المنشأ، لا تفرضها أية قوة خارجية على مصر. والنتائج التي ستظهر هي نفسها التي كانت ستظهر في أي وقت من الأوقات، خلال السنوات الثلاثين الماضية، لو لم يتم قمعها من قبل الدكتاتورية.

وفي حال نجح حزب الحرية والعدالة في استيعاب التيارات الأخرى، وفي تشكيل توافق في الآراء السياسية، كما يفعل حزب النهضة في تونس الآن، فسيضمن ذلك خروجاً نهائيا من الحكم الاستبدادي.

وسيتطلب الأمر قدراً من الوقت والصبر، وستمارس الضغوط على حزب الحرية والعدالة، من خلال نجاح الحزب السلفي الأصولي، الذي يسبق الكتلة المصرية العلمانية. ومن شأن تحالف الحزب مع التقدميين، أن يشكل أفضل وسيلة لطمأنة مصر المدنية، بأنها لا توشك على أن تقبع تحت وطأة حكم صارم.