حين فر الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك من القاهرة في فبراير الماضي، سارع العالم الخارجي إلى الاعتقاد بأن فجراً جديداً قد بزغ في الدولة الأكثر أهمية في العالم العربي، ربما بسرعة أكبر مما ينبغي. ومع دخول مصر في الانتخابات البرلمانية، وهو الأمر الذي شكل أول اختبار حقيقي للرأي العام منذ الإطاحة بالرئيس مبارك، فإن الدماء تراق بشكل شبه يومي في ميدان التحرير، وتبتعد معالم مستقبل الربيع العربي في مصر عن الوضوح. وتعد الانتخابات في حد ذاتها عملية معقدة، إذ تنطوي على سلسلة من الجولات الانتخابية لمجلسي الشيوخ والنواب في البرلمان، ولرئاسة الجمهورية كذلك، وهي عملية متاهية قد تفضي إلى الحيلولة دون مشاركة الجميع بصورة كاملة، واقتصار المشاركة الكاملة على المصريين الأكثر حماساً. ومن جهة أخرى، فقد انسحبت بعض الأحزاب، ومعظمها يميل إلى الليبرالية، من الانتخابات، احتجاجاً على رفض المجلس الأعلى للقوات المسلحة تأجيل إجراء الانتخابات إلى حين خضوع البلاد للسيطرة المدنية. وهؤلاء هم الأشخاص الذين عمدوا إلى احتلال ميدان التحرير، ليقوموا بشجب رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المشير حسين طنطاوي، ورئيس الوزراء المؤقت كمال الجنزوري، وهو مسؤول سبعيني من بقايا عهد مبارك. وبعد إخفاقهما في فعل ما يحلو لهما، فإن هذين المسؤولين، اللذين نصبا نفسيهما وصيين على الشعلة الثورية، يجازفان الآن بأن يتم دفعهما إلى الهامش السياسي. وقد رفض طنطاوي أخيراً دعوات تطالبه بالتنحي. وبدلاً من ذلك، حذر من العواقب «الوخيمة للغاية» التي ستنجم عن السماح باستمرار الاضطرابات في القاهرة، وألقى باللائمة على «الأيدي الأجنبية»، التي زعم أنها تقف وراء الاشتباكات.
وقالت مها مأمون الناشطة بمجموعة لا للمحاكمات العسكرية: «إن حسني مبارك كان يقول العبارات نفسها. وقد بات الوضع مربكاً للغاية».
وجاء تحذير طنطاوي في الوقت الذي احتشد عشرات الألوف من المحتجين في ميدان التحرير مرة أخرى في محاولة أخيرة لإسقاط ضباط الجيش المصري.
ولكن المشير حسين طنطاوي بدا عازماً على عزل المتظاهرين في ميدان التحرير، قائلاً إن الحكومة: «لن تسمح لمثيري الشغب بالتدخل في الانتخابات».
وقال شادي الغزالي حرب، وهو عضو في ائتلاف ثورة الشباب، إن المجلس الأعلى للقوات المسلحة فهم الآن ان المتظاهرين في القاهرة لن يغادروا إلى أن تتحقق مطالبهم بتشكيل مجلس مدني. ولكن إذا كان ذلك صحيحاً، فإن طنطاوي ومساعديه يبدون سعداء بتجاهل تلك الرسالة. ومن جهة أخرى، فقد بادرت القوتان السياسيتان الأكثر نفوذاً في البلاد، وهما جماعة الاخوان المسلمين والورثة السياسيون لنظام مبارك، إلى النأي بنفسيهما عن الاحتجاجات وعن الهجمات المستهدفة للجيش. وبالنظر إلى استعدادهما التام لخوض الانتخابات، فإن كل كتلة منهما تبدو مصممة على اكتساح المجلس. ولا شيء من هذا يبشر بالخير. فمنذ فوز الإسلاميين المعتدلين في الانتخابات التونسية، هدأت تونس، ويرجع ذلك أساسا إلى أن الشرعية الديمقراطية للحكومة الجديدة ليست محل تساؤل. ووفقاً لما قاله العديد من التونسيين منذ ذلك الحين، فقد كانت العملية الديمقراطية الفائز الحقيقي في تلك الانتخابات.
ولكن في حال شعرت شرائح واسعة من الشعب المصري، بما في ذلك المدافعون الأكثر حماساً عن ثورة فبراير، بأنها قد خدعت، فقد يتفاقم العنف في القاهرة إلى حد كبير. وقد توفي ما يزيد على 40 شخصا في العاصمة في اشتباكات أخيرة مع الشرطة والجيش. وسيكون من المأساوي أن تؤدي الانتخابات الحرة في مصر إلى تعميق الانقسامات القائمة، بدلاً من إزالتها.