احتجاجات "احتلوا وول ستريت" يبدو أنها لم تصل إلى الصين بعد، ولكن كلمة الاحتجاجات انتشرت، وتحاول السلطات الصينية معرفة كيفية الرد على ذلك، لكن ردود أفعالها تغطي نطاقاً واسعاً، يمتد من استنكارات تتسم بطابع الشماتة من الرأسمالية الأميركية، وتدعو إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد كل تغطية إعلامية لأحداث احتجاجات "احتلوا وول ستريت". وبالطبع ليست هناك مفاجأة حقيقية إزاء هذه السلسلة من ردود الأفعال.
والأمر الأكثر إثارة للاهتمام، والأقل قابلية للتنبؤ، يتمثل في السبل التي يمكن أن تسهم بها احتجاجات "احتلوا وول ستريت"، في تشكيل السياسة الداخلية للصين. في الأيام الأولى من حركة الاحتجاجات، عندما اقتصرت على المدن الأميركية، شنت صحيفة "ديلي أوبيد" الصينية (في عددها الصادر يوم 30 سبتمبر الماضي) هجوماً عنيفاً على وسائل الاعلام الأميركية، متهمة إياها بالنفاق الصحافي لعدم تغطية الاحتجاجات في أميركا، رغم أنها استمتعت بتغطية الاحتجاجات في العالم العربي قبل بضعة أشهر فقط، وبعد أسابيع، كانت وكالة أنباء "شينخوا" الحكومية أشد قسوة من ذلك، بحجة أن الاحتجاجات التي جرت في منطقة "زاوكوتي بارك" في نيويورك "كشفت الممارسات الخاطئة من جانب الحكومة الأميركية، والعلل التي أصابت أنظمتها السياسية والاقتصادية".
ولكن في الوقت الذي تنتشر أصداء حركة الاحتجاجات على الصعيد العالمي، تحول اتجاه رد الفعل الصيني. فالهجوم على صمت الصحافة الأميركية، أفسح المجال لحالة القلق إزاء الآثار المحتملة، التي ربما تنطوي عليها تغطية وسائل الإعلام الصينية على جمهورها الصيني.
وفي تصريح للناطق باسم وزارة الخارجية الصينية، بعد إشارته إلى أن القضايا التي أثارتها احتجاجات "احتلوا وول ستريت" "تستحق التأمل"، حذر وسائل الإعلام الصينية قائلاً: "إن انعكاسات تلك الاحتجاجات لا بد أن تفضي إلى الحفاظ على تنمية سليمة ومطردة في الاقتصاد العالمي"، وفي اليوم نفسه، دعا مسؤولو صحيفة "غلوبال تايمز" التابعة للحزب الشيوعي الصيني، الناس إلى "متابعة حركة الاحتجاج والوضع العالمي بهدوء، دون التعرض للإرباك بسبب الآراء المتطرفة". وبعد بضعة أيام، عمدت السلطات الصينية، من خلال تجنب أي تناقض بشأن حركة الاحتجاج، إلى إصدار أوامر لوسائل الإعلام الصينية، بوقف جميع التقارير والتعليقات حول حركة "احتلوا وول ستريت".
ماذا حدث؟ ربما اطلعت بكين على الأرقام في الأيام الثلاثة الفاصلة، وتذكرت أنه بالقدر نفسه من ارتفاع الفجوة في الدخل في الولايات المتحدة، فإن التفاوت في الثروة والدخل في الصين مرتفع أيضاً، وبمستويات أعلى وفقاً لبعض التقديرات.
وفي ظل وجود 36% من المواطنين الصينيين (أي نحو 481 مليون نسمة) يعيشون على دخل يقل عن دولارين في اليوم، ربما أصبحت القيادة في بكين تشعر بالقلق من أن الصينين لن يبقوا "هادئين" في مواجهة أنباء الاحتجاجات في الولايات المتحدة، كما تأمل "غلوبال تايمز".
وسرعان ما تبع ذلك فرض رقابة على الفضاء الإلكتروني، بعد إصدار الأمر بإسكات وسائل الإعلام. وأصبحت عبارات مثل "احتلوا وول ستريت"، وبشكل أكثر تحديداً "احتلوا بكين" و"احتلوا شنغهاي" و"احتلال غوانغزو" و"احتلوا زونغنانهاي" و"احتلوا لاسا" وغيرها من الكلمات، ضمن قائمة المصطلحات المحظورة، لا يأتي البحث عنها بأي نتيجة على مواقع المدونات الصغيرة، مثل "سينا وايبو"، وهو النسخة الصينية من "تويتر".
لقد كانت مثل هذه الحملة القمعية متوقعة، ومنذ احتجاجات الربيع العربي، أبدت القيادة الصينية توجهاً عدوانياً في الترويج لمبدأ "مجتمع متناسق" كشعار للحزب الشيوعي، تحسباً لأي بوادر لظهور حالة عدم الاستقرار في الداخل.