تعد بلدان الكتلة السوفييتية السابقة، هي الأشد تضررا من جراء المشكلات الاقتصادية العالمية. فعلى امتداد السنوات الثلاث الماضية، عانت تلك الدول من أسوأ انخفاض في الإنتاج، منذ "الركود الانتقالي" الذي تلا انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991. وفي الواقع، فإن الأزمة الاقتصادية في بعض بلدان أوروبا الشرقية، تعد أكثر شدة مما كانت عليه خلال انهيار النظام الاشتراكي.
وفي الوقت الحالي، يعاني الأشخاص الذين يعيشون في الدول ذات الاقتصادات الانتقالية، من ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض حاد في الرواتب، وعدم القدرة على سداد القروض المصرفية، والحاجة إلى خفض الاستهلاك إلى حد كبير. وبعد أن حظوا بفرص ضئيلة للاستمتاع بفوائد الديمقراطية واقتصاد السوق استمتاعاً كاملاً، فإنهم يواجهون الآن المشكلات الأكثر إيلاما، التي ترتبط بأداء الأسواق الحرة. فهل ستكون المشكلات الاقتصادية للبلدان الاشتراكية السابقة بمثابة حافز لإجراء إصلاحات على السوق، أم أنها ستشجع أولئك الأشخاص على رفض النموذج الاقتصادي القائم على السوق فحسب؟
لسوء الحظ، هناك الكثير من الحجج التي تصب في صالح رفض إصلاحات السوق والمثل الديمقراطية. وقد أدت برامج مكافحة الأزمة في معظم الدول، إلى قدر أكبر من السيطرة الحكومية على الاقتصاد، وإلى صوت أقوى للجماعات التي تنادي بتشديد الرقابة. وقبل أزمة عام 2008، حاولت البلدان الشيوعية السابقة تحرير أنظمتها المالية، في سبيل الاندماج في التجارة والأنظمة المالية العالمية. ولكن المزيد من الأوروبيين في الوقت الحاضر، يعيدون النظر في هذا الوضع.
وأظهر تقرير حديث صادر عن البنك الأوروبي للتعمير والتنمية، أن دعم الأوروبيين للديمقراطية والأسواق الحرة آخذ في الانخفاض. وفي حقيقة الأمر، كلما قطعت دولة ما شوطاً أطول على الطريق نحو الإصلاح، ازدادت رغبة مواطنيها في الابتعاد عن المثل الديمقراطية والأسواق الحرة.
وقد بين التقرير أن الناس يجدون صلة مباشرة بين المشكلات الاقتصادية الراهنة، وبين أداء الديمقراطية واقتصاد السوق. وقد عزا 30% إلى 70% من المجيبين، في المتوسط، الأزمة إلى الغرب وقيم السوق، ورأوا أن الدول التي حققت أكبر تقدم على طريق الإصلاح، هي التي عانت أكثر من غيرها جراء الأزمة.
وتوضح دراسة البنك الأوروبي للتعمير والتنمية، أنه كلما اشتد تضرر الفرد من جراء الأزمة، أصبح موقفه من القيم الديمقراطية أكثر سوءاً.
ومن المفارقة أن الدراسة وجدت أن تأييد الديمقراطية، ارتفع فعليا في روسيا والجمهوريات السوفييتية السابقة نتيجة للأزمة. ووفقا لمعدي التقرير، فإن الأشخاص الذين يعيشون في المجتمعات الأكثر حرية، والتي كانت الأشد تضررا من جراء الأزمة، أصبحوا أكثر نفورا من النظام السياسي الديمقراطي القائم. وعلى نحو مناقض، فقد تحول أولئك الذين يعيشون في ظل أنظمة حكم أكثر تسلطاً إلى مؤيدين أقوى للتغيير الديمقراطي نتيجة للأزمة. وعلى سبيل المثال، فقد وصلت نسبة تأييد الديمقراطية في كل من طاجيكستان وأوزبكستان وأرمينيا إلى 80%، أي ما يضاهي النسبة الموجودة في أوروبا الغربية، في حين بلغت 40% في روسيا.
وكما بات واضحاً، فإن مبدأ "كلما ازداد الأمر سوءاً، كان ذلك أفضل"، ينطبق على روسيا. ويؤدي التراجع الحاد في الأوضاع المعيشية، إلى ازدياد المطالبة بإجراء إصلاحات على الديمقراطية والسوق. وفي السابق، كان كثير من الناس على اقتناع بأن الروس لن يبادروا إلى تبني قيم المجتمع الحر، إلا بعد تذوق ثمار العولمة وإصلاحات السوق.