ربما تعد العضوية في "اللجنة العليا" في الكونغرس الأميركي، المكلفة بتخفيض الاقتراض الاتحادي بما لا يقل عن 1,2 تريليون دولار، على امتداد العقد المقبل، الوظيفة الأصعب في واشنطن اليوم. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، فإن الأعضاء سيحتاجون إلى تجسير الهوة الحزبية العميقة، في ما يتعلق بالضرائب وبرامج الإنفاق وتأثير الإنفاق الحكومي على الاقتصاد. ولكن في حال ساورتهم أية شكوك حول الحاجة إلى عقد صفقة ما، فما عليهم إلا أن يحولوا انتباههم إلى ما يحدث على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.
وقد بدت فرص اللجنة بالنجاح في مهمتها وكأنها أخذت تتلاشى أخيراً، عندما عمد أعضاؤها الديمقراطيون الستة وأعضاؤها الجمهوريون الستة، إلى تقديم مقترحات منفصلة، قوبلت بالرفض سريعاً من قبل الطرف الآخر، باعتبارها "أضحوكة" أو "غير جدية".
وقد كانت الأسباب وراء عدم وجود توافق في الآراء مألوفة إلى حد مزعج، إذ إن الحزب الجمهوري لا يقبل بزيادة الضرائب، والتي في غيابها لا يقبل الديمقراطيون بفرض تخفيضات على مزايا برنامجي "ميديك إيد" و"ميدي كير".
وفي حال منيت اللجنة بالفشل، فإن الـ1,2 تريليون دولار ستستقطع تلقائياً من الميزانية الفيدرالية على مدى السنوات العشر المقبلة. وبصورة أكثر فورية، فقد يؤدي هذا العرض لخلل الحكومة الأميركية، إلى تخفيض تصنيف السندات الاتحادية على نحو يعرضها للخطر.
وفي الوقت الذي كانت اللجنة العليا تجري مداولاتها، كان القادة الأوروبيون يناضلون من أجل احتواء الضرر الناجم عن احتمال تخلف اليونان عن سداد ديونها. وقد وافقوا أخيراً على خطة إنقاذ جزئي لدائني اليونان، ومعظمهم من البنوك الأوروبية. لكن الخطة، التي كانت بالكاد كافية في أحسن الأحوال، تعرضت لخطر الانهيار، نظراً لأن رئيس الوزراء اليوناني آنذاك جورج باباندريو، دعا إلى إجراء استفتاء كان من شأنه أن يسمح للناخبين اليونانيين برفض الصفقة. وقد اعترضت البنوك على الخسائر "الطوعية" التي طلب منها أن تتكبدها، وانخفضت أسواق الأسهم العالمية، مما يعكس مخاوف من أن اليونان ستعجز عن سداد ديونها، وأن أزمة الديون ستنتشر على نحو أوسع نطاقاً وأكثر فوضوية.
وتختلف المشكلات المالية التي تواجهها أوروبا عن تلك التي تواجهها أميركا، ولكن التحدي الذي يواجه صناع القرار هو تحد واحد في جوهره، فبعد أن قطعت الحكومات لشعوبها وعوداً أكبر مما يمكنها الوفاء به، فإنه يتعين عليها الآن أن تلجأ إلى التخفيض بطريقة تحد من الضرر اللاحق بالاقتصاد، وتنشر الألم بشكل منصف.
وتنبع مشكلات عجز واشنطن قصيرة المدى بصورة أساسية من الركود، في حين تعود المشكلات طويلة المدى، بشكل رئيسي إلى ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية التي تجعل برنامجي "ميدي كير" و"ميديك إيد" غير قابلين للاستدامة.
وقد تم رسم الطريق إلى الأمام بالنسبة للجنة، من قبل مجموعة من لجان الخبراء التي وضعت مقترحات مفصلة لوضع الدين الفيدرالي تحت السيطرة. وعلى الرغم من أن تفاصيلها تختلف، إلا أنها جميعها تدعو إلى تخفيض العجز بأكثر من ذلك بكثير، بما يصل إلى 4 تريليونات دولار، من خلال فرض تخفيضات على البرامج المختلفة، وتقليل المزايا وزيادة الضرائب.
وبعبارة أخرى، فإن الخطط تدعو إلى أمرين لم تأخذ بهما اللجنة، وهما حل حقيقي بدلًا من نصف حل، والتضحية المشتركة بحق. وقد كان الاقتراح الذي قدمه القادة الأوروبيون أخيراً، يفتقر إلى هاتين الميزتين أيضاً.