وصلت الأزمة الوجودية التي اجتاحت منطقة اليورو، إلى مرحلة أساسية هامة، وهي المرحلة التي يشكل فيها أي تقاعس أو أخطاء إضافية من جانب اللاعبين الرئيسيين، تهديداً بتحول النكبة التي حلت بالقارة الأوروبية، إلى كارثة تخيم على الاقتصاد العالمي برمته.
فعندما كان تهديد العجز عن سداد الديون السيادية مقتصراً على البلدان الصغيرة، مثل اليونان أو أيرلندا، كان بإمكان العملة الموحدة أن تتخبط على طول الطريق، من عملية إنقاذ بمليارات اليورو إلى أخرى. ولكن عندما تقف إيطاليا، التي تمثل أحد أكبر الاقتصادات على مستوى العالم، على حافة الإفلاس لأن سداد فوائد ديونها أصبح مكلفاً على نحو هائل، فإن ذلك يعني أن أوان الاستجابة الحاسمة قد آن.
ومع ذلك، فإنه على الرغم من أن عائدات السندات الإيطالية واصلت ارتفاعها مؤخراً، لتصل إلى أعلى نقطة قابلة للاستدامة، وفقاً لاعتقاد معظم المراقبين، بل وإلى أبعد من تلك النقطة، فإن قيادة منطقة اليورو بدت عاجزة.
وقد بات واضحا منذ فترة أن الألمان غير مستعدين لاتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم منطقة اليورو، من خلال السماح للبنك المركزي الأوروبي بالتدخل بطريقة واضحة لا لبس فيها، بصفته مقرض الملاذ الأخير للحكومات الوطنية. وقد اضطرت أنغيلا ميركل إلى خوض معركة مع البرلمان الألماني، لمجرد الحصول على موافقته على تعزيز صندوق إنقاذ اليونان. ولكن إيطاليا أكبر من أن يتم إنقاذها بهذه الطريقة، فهي تحتاج إلى إعادة تمويل جزء كبير من ديونها على مدى الأشهر المقبلة، ولكن الأسواق، انطلاقاً من خوفها من ألا تسترد أموالها، تعمد إلى رفع تكاليف هذه العملية. وهذا يحتم تشديد الإجراءات التقشفية، التي تحد من النمو وتزيد من سرعة دوامة الهبوط.
ولو أن كلاً من البنك المركزي الأوروبي والحكومة الألمانية تحرك منذ أشهر، لكان من الممكن تفادي كل ذلك، ولكن تجاوز العقبات السياسية كان أمراً صعباً، والقيادة كانت غائبة على نحو يرثى له.
وفي الحقيقة، فإن البنك المركزي الأوروبي ليس راغباً عن إقراض المال للدول المعسرة فحسب، بل ودستوره يمنعه من القيام بالتدخلات الضخمة المباشرة في السوق، التي تعد ضرورية الآن. ولكن مراعاة تفاصيل كهذه لم تعد أمراً ممكناً، إذ إن البنك المركزي الأوروبي هو الجهة الوحيدة التي تملك القوة المالية الكافية، للدفاع عن منطقة اليورو في وجه هذا الهجوم الكاسح.
وعلاوة على ذلك، فإن ضخامة هذه الأزمة قد تحتم على صندوق النقد الدولي كذلك أن يبحث في موارده، وهذا من شأنه أن يلقي مسؤولية كبيرة على عاتق وزير الخزانة البريطاني. وقد يكون ذلك في مصلحتنا الوطنية، فيما لو كان يساعد على تفادي انهيار مالي، ولكن يتعين ألا يستخدم صندوق النقد الدولي وكأنه حصالة لدول منطقة اليورو، التي لا ترغب في إدخال أيديها في جيوبها.
إن هذه اللحظة تمثل لحظة خطر حقيقي بالنسبة للاقتصاد الأوروبي، وهي الحقيقة التي يبدو أن العديد من قادة منطقة اليورو لا يزال راغباً أو عاجزاً عن فهمها.
لقد تجاوزنا المرحلة التي كانت فيها إزالة بعض رؤساء الوزراء من مناصبهم، تحدث أي فرق.. ولم يعد الجمود واحداً من الخيارات المتاحة.