في الأول من يوليو 2002، قامت الولايات المتحدة بقصف حفل زفاف في قرية صغيرة تقع في شمال قندهار، وقد بدت القرية محصنة بالجبال العديدة المنتشرة في المنطقة، ولساعات قلائل ظن أهلها أنهم آمنون من الحرب التي لم يسعوا إليها قط، ومضوا يحتفلون بالمناسبة وفقاً لما تقضي بها الأعراف، فأطلقوا النار في الهواء بصورة متقطعة، غير أن المناسبة البهيجة تحولت إلى حمام دم، حيث ذكر أن سلاح الجو الأميركي قد استخدم قاذفة من طراز «بي-52» وطائرة هليكوبتر مقاتلة من طراز «إيه سي-130» في معركة ضد إرهابيين متوهمين، وتقول السلطات الأفغانية إن 40 شخصاً قد قتلوا وجرح مائة غيرهم، وكالمعتاد رفض العسكريون الأميركيون الاعتذار.
كان قصف هذه القرية تجسيداً على نطاق صغير للحرب الوحشية التي أعقبت ذلك، وبينما لم تكن القاعدة عدواً متوهماً، فإن غزو أفغانستان وتدميرها كان رد فعل مثير للاشمئزاز ومتناقض مع ذاته على الإرهاب. تعد هذه الجريمة ضد الإنسانية في أفغانستان استمراراً لاتجاه امتد عبر عقود، وعلى امتداد التاريخ تعرضت أفغانستان للاعتداءات الوحشية لا لشيء إلا لموقعها الجغرافي.
يتعين على شعب أفغانستان ألا يتوقع اعتذاراً عن الحرب أيضاً. وقد كتب كارمن جنتايل وجيمي مكالس في صحيفة «يو أس إيه توداي» يقولان: «لقد غزت الولايات المتحدة أفغانستان لتسحق قاعدة عمليات القاعدة التي أشرف قائدها أسامة بن لادن على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وللتأكد من أن أفغانستان لن تصبح ملاذاً للإرهابيين، يتآمرون انطلاق منه على الغرب». وقد انتشر مثل هذا التبرير في أجهزة الإعلام المنتمية إلى التيار الرئيسي في الغرب.
وهناك تقييم غريب مفاده أن المتمردين يصبحون مؤثرين عندما يتاح لهم مد الجسور مع السكان. أما عندما يعزلون عنهم، فإنهم يواجهون وقتاً صعباً للغاية. وغرابة هذا التقييم تنبع من الحقيقة القائلة ان طالبان تبدو مسيطرة بالفعل على أفغانستان، وعندما أعلن المجلس الدولي للأمن والتنمية في باريس أن طالبان تسيطر على 72% من أفغانستان، بادر قادة «ناتو» إلى نفي ذلك باعتباره شيئاً غير صحيح.
وفي الوقت نفسه، هناك من يجادلون أن ذلك كان صحيحاً في الماضي، وأنه منذ وافق الرئيس الأميركي باراك أوباما على زيادة قوامها 30 ألف جندي من القوات الأميركية في أفغانستان مستهدفاً رد طالبان على أعقابها تغير الموقف، ومثل هذه الخطوة ستسمح لجهود بناء الدولة الأفغانية بالانطلاق، وبالتالي إعداد أفغانستان لانسحاب القوات الأجنبية منها في ديسمبر 2014.
ولكن الواقع على الأرض في أفغانستان يروي قصة أخرى. فحركة طالبان تسيطر على أغلبية ساحقة من ولايات أفغانستان، وسيطرتها شبه الكاملة على الشرق والجنوب وتربصها بالمناطق الأخرى تدعمها الأنباء المتواترة عن الاستهداف المنسق للمسؤولين الأفغان والقوات الأجنبية حتى في قلب كابول. وهذا السلوك من جانب طالبان لا يوحي بأن الحركة تتراجع، وإنما يوحي بأن هناك حكومة ظل تنتظر. وفي حقيقة الأمر، فإن «حكام الظل» هو اصطلاح يجري استخدامه للإشارة إلى مسؤولي طالبان الذين يديرون جانباً كبيراً من أفغانستان.
إن الإجراءات التي تقدم عليها القوات الغربية في أفغانستان تتسم بالوحشية ولا تقترن باعتذار، والأمر يبدو كما لو أن أبناء وبنات أفغانستان ليسوا إلا أرقاماً فحسب، يمكن الاستغناء عنها وتجاوزها. والآن بعد عشر سنوات من الحرب في أفغانستان، فقد آن الأوان لوقوف المجتمع الدولي إلى جانب الضحايا.