قد يخال المرء أن منح الناس صوتا في أهم القرارات التي تؤثر في بلادهم، يعد طبيعة ثانية بالنسبة لاتحاد دول يدعي الديمقراطية، باعتبارها مبادئه الأساسية الأكثر قدسية، لكن إعلان جورج باباندريو الأخير، أن اليونان ستجري استفتاء على خطة "الإنقاذ" الأخيرة التي تعتمد العلاج بالصدمة، تم استقباله بغضب من قبل قيادات أوروبا.
ولقد دعت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل رئيس الوزراء اليوناني إلى اجتماع قمة العشرين، لتحذيره وتوبيخه لجحوده المتهور. فجرعة القروض الجديدة التي صدرت أخيرا، بشطب 50% من حيازات دائني القطاع الخاص من السندات اليونانية، والمترافقة مع مزيد من التخفيضات الوحشية والخصخصة، كان يفترض أن تحسم المسألة وتوقف خطر انتقال العدوى إلى منطقة اليورو.
لكن الأمر لا يتعلق بخوف من مخاطر أسواق السندات فقط، وإنما من خطر قيام اليونانيين بالتصويت بشكل غير صائب، فالتصويت ليس الطريقة التي تجري بها الأمور في الاتحاد الأوروبي.
لكن السجال يتعمق، وصولا إلى قلب مشكلات أوروبا مع الديمقراطية. ولحماية المصارف التي قامت بإقراض اليونان، تجري تعرية الدولة بشكل منهجي من سيادتها، حيث يأتي مسؤولو الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي فرادى وجماعات، لصياغة ميزانياتها، ولوضع مواعيد نهائية لسياساتها، ولتقديم "النصح" لها حول الضرائب، ولدفعها لخصخصة الدولة.
وليس مما يدعو للعجب نمو الغضب الوطني اليوناني. وكل هذا في سبيل دوامة من اقتطاعات في الإنفاق وزيادة في الضرائب، ستدفع اليونان بشكل أعمق إلى الركود والمديونية. لكن ليس الاقتصاد اليوناني هو الذي يجري إنقاذه، بل المصارف الأوروبية والأميركية المعرضة للديون اليونانية.
وفي سبيل حماية أصحاب الريع ومنع فشلهم من الإمساك بنظام الائتمان الأوروبي، واجهت اليونان أكبر ضغط مالي شهدته دولة متطورة في تاريخها، وذلك من دون وجود أي إمكانية لحوافز مالية تعويضية أو عملية تخفيض لسعر العملة، وكل هذا بسبب عضويتها في اليورو. ونتيجة لذلك، فإن اقتصادها ينهار، في حين يزداد دينها.
واقتراح باباندريو إجراء استفتاء، يفترض أن يطرح تساؤلا عن البديل على الأقل. ومن دون إنقاد الاقتصاد اليوناني، فإن أي عملية تخلف عن التسديد "منظمة"، سوف تمضي بالبلاد إلى عقود من الركود. وفي ظل هذه الظروف، فإن تخلفا عن التسديد على المثال الأرجنتيني وخروج اليونان من اليورو، يبدوان بشكل متزايد الخيار الأفضل لها.
لكن اليونان مجرد دولة على الطرف الأقصى في أزمة اليورو. فالبرتغال وإسبانيا تم تقليصهما، بشروط إنقاذ صارمة أيضا، إلى مستوى محميات تديرها بروكسل وفرانكفورت وواشنطن، وبتبعات اقتصادية واجتماعية أليمة.
والآن فإن العدوى تهدد إيطاليا، والأزمة الأوروبية محفوفة بمخاطر قلب الاقتصاد العالمي مجددا إلى حالة من الركود. وصفقة الإنقاذ الأخيرة تم الإقرار بفشلها. وإلى أن تبدأ حكومات منطقة اليورو بإنقاذ الاقتصاد الحقيقي بدلا من المصارف، وتأمين الاستثمار الحكومي للنمو، فإن حزم الإنقاذ ستستمر في الفشل.
لكن هذا سيتطلب تحولا جذريا في سياسات الدول الأساسية في منطقة اليورو، ولا يبدو أن هناك أي إشارة في هذا الاتجاه. ونتيجة لذلك، من غير المرجح أن تبقى منطقة اليورو كما هي في شكلها الحالي. فخسارة المصداقية التي أوجدتها الأزمة، تذهب أبعد من منطقة اليورو إلى الأيديولوجية الاقتصادية التي شكلت الاتحاد الأوروبي لعقود، لا سيما حول حل الأنظمة، والخصخصة، وإعطاء الامتيازات للشركات، بمعزل عن حقوق التوظيف المتواضعة.