واجه الماندرين في الصين المهمة الصعبة، المتمثلة في أن يوضحوا لإمبراطورهم أسباب الهزائم المتكررة لجيوشه في القرن التاسع عشر، وفي سبيل تفادي الأسئلة المحرجة، تبنوا الحيلة البسيطة المتمثلة في وصفها جميعا بأنها انتصارات. وقد تبنى الجيش البريطاني نهجا مماثلا في توضيح فشله في العراق وأفغانستان، والأساطير التي تخدم النفس يجري صقلها بإلقاء اللوم كله على رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وعلى الأميركيين لدفعهم الجنود البريطانيين في حروب لا يمكن الفوز بها، أما مسؤولية نقص المعدات وأعداد الجنود المنتشرين غير الكافية، فتعود للسياسيين وليس لقادة الجيش.
وقد نتج عن ذلك وجود عدم تقدير لمدى الفشل العسكري الكامل في البلدين، وكان الجنود البريطانيون في العراق عام 2007، بعد أربع سنوات من الغزو، في موقع مذل من التقوقع في مخيم في البصرة، في الوقت الذي كانت الميليشيات تحكم المدينة، ولم تقم الوحدة البريطانية إلا بحماية نفسها، وأصبح لا معنى لوجودها. أما الفشل في إقليم هلمند الأفغاني عام 2006 فقد جاء بوتيرة أسرع.
حيث أساءت الاستخبارات العسكرية البريطانية تقدير مخاطر إرسال جنود إلى هناك كليا، أما القوات الهجومية، فقد كرست نفسها لمحاولة القضاء على طالبان، لكنها عملت كمجنِّد لها، جراء تهميش السكان المحليين. ولم يؤخذ في الحسبان رد الفعل تجاه احتلال أجنبي لم يجلب معه إلا القتل والدمار.
وكان هذا التعاطي السطحي مع الطبيعة المختلة لعمل الجيش البريطاني، ماثلاً في العراق عام 2003، عندما قتل ستة رجال شرطة عسكرية بريطانيون في الأهوار الجنوبية، حيث ظن الجيش البريطاني أن بإمكانه تسيير دوريات بحرية عبر الأهوار ونزع سلاح سكانها من دون أي مقاومة. وقد وصف قادة الجيش البريطاني عمليات قتل الجنود، بأنها أزمة محلية لا يمكن القياس عليها، لكنها كانت أعراضا لما كان على غير ما يرام بالنسبة لبريطانيا في هاتين الحربين. والكثيرون يعون أشكالا مختلفة من أحجية عدم الفهم والجهل والفشل المؤسسي، التي أنتجتها هذه الإخفاقات.
أما التدخل في إقليم هلمند، الذي لم يكن يعرف عنه الجيش البريطاني إلا القليل، فقد تم تصوره كطريقة للتعويض عن سمعة الجيش البريطاني المهزوزة في نظر الأميركيين. وقد قللت الاستخبارات العسكرية من تحذيرات السفارة البريطانية في كابول، بأن إقليم هلمند سيكون على الأرجح مكانا خطرا جدا.
وفي كتابه الرائع "خسارة الحروب الصغيرة: إخفاق الجيش البريطاني في العراق وأفغانستان"، يستعين الكاتب فرانك لدويدج بكلام لمسؤول كبير في مجال التنمية يتمتع بخبرة طويلة في أفغانستان، حيث يقول: "الجنود يتحدثون عما يعتبر غير مقبول ثقافيا في أفغانستان، لكن ما هو غير مقبول يتمثل في إلقاء 5 آلاف قنبلة على مدن الأفغانيين، والإغارة على بيوتهم، وسحب زوجاتهم وبناتهم من أسرتهم ليلا، وهو تماما ما يعتبره البريطانيون غير مقبول أيضا".
وكانت هناك أسباب أخرى مهمة للفشل البريطاني. فالألوية كانت ترسل إلى الحرب في جولات تمتد لستة أشهر، وهي مدد قصيرة جدا. ومسؤولو القيادة بدوا مهتمين بتعزيز مهنتهم، حيث لا تواصل بين الأفعال والتحركات المتتالية. أما السياسة البريطانية، فقد اتسمت بفيض طابعها العسكري، على عكس الحكم البريطاني في الهند، حيث القوة العسكرية كانت الملاذ الأخير، وكانت الدروس المضللة تستقى من مكافحة التمرد في الملايو وإيرلندا الشمالية، وهما يختلفان تماما عن العراق وأفغانستان.