قدم الناخبون التونسيون، مرة أخرى، مثالاً يحتذى به للبلدان العربية التي لا تزال تناضل من أجل الديمقراطية، حيث وصلت نسبة الناخبين المسجلين الذين غمسوا سباباتهم في الحبر في مراكز الاقتراع التونسية، التي تمت إدارتها بشكل جيد، إلى أكثر من 90%. وقد ذهب أكثر من نصف المقاعد الانتخابية إلى أحزاب علمانية، لا إلى جماعات إسلامية.
ولكن الانتخابات تمثل أيضاً شيئاً أعظم من ذلك. فللمرة الأولى، ستكون هناك حكومة ديمقراطية في العالم العربي، نشأت عن انتفاضة شعبية (إذ أن الحكومة شبه الديمقراطية في العراق نشأت عن الغزو). ويتعين على الولايات المتحدة، التي طالما اعتبرت إسرائيل حليفتها الديمقراطية الوحيدة وسط بحر من الأنظمة العربية، أن تتبنى الآن هذا البلد الصغير الواقع في شمال إفريقيا، الذي يضم 12 مليون نسمة، أثناء سيره نحو الديمقراطية الكاملة.
إن مستقبل الربيع العربي يعتمد على ذلك. وينبغي على الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يبادر، على سبيل المثال، إلى عرض اتفاق للتجارة الحرة على تونس، وأن يشجع أوروبا على توفير المزيد من الاستثمارات والمساعدات. ويمكن للولايات المتحدة أيضا أن تقوم بتدريب عدد كبير من رجال أعمال تونس، وأن ترحب بالمزيد من التونسيين في الجامعات الأميركية.
وقد يفقد الشباب التونسيون حماسهم بشكل سريع، بسبب بطء وتيرة الديمقراطية الجديدة. إذ يصل معدل البطالة إلى حوالي 15% على الصعيد الوطني. وقد تكون النسبة مضاعفة في فئة للشباب، وفي المناطق الريفية، حيث اندلعت "ثورة الياسمين" في ديسمبر الماضي، بعد أن قام بائع فاكهة شاب بإضرام النار في نفسه احتجاجا على إحباطه الاقتصادي.
وعلى امتداد العام المقبل، فإن القادة المنتخبين حديثاً سيعكفون على صياغة الدستور، وإصلاح جهاز الدولة الجامد والفاسد الذي خلفه الدكتاتور المخلوع، زين العابدين بن علي. وقد تعمل المناورات السياسية، كما هي الحال في أي نظام ديمقراطي، على إبطاء العملية. ومع ذلك فقد تم رفع توقعات الشعب بأن الحكومة الجديدة ستنجح في إيجاد فرص عمل جديدة عما قريب.
ولا تزال هناك حاجة لأن يتم تشكيل حكومة ائتلافية قريباً، إذ لم يفز أي من الأحزاب بأغلبية المقاعد في البرلمان المؤقت. وقد فاز حزب "النهضة" الإسلامي المعتدل على الأرجح، بنسبة تقرب من 42%، وقطع وعوداً بعدم الهيمنة على المناصب الحكومية العليا.
إن حزب النهضة، الذي يقول إنه يتخذ من حزب العدالة والتنمية المعتدل في تركيا قدوة له، يرى أن دوره لا ينطوي على إذكاء الاقتصاد، بقدر ما ينطوي على دفع القيم العائلية والبيروقراطية الصادقة.
ومن شأن اقتصاد سليم أن يحول دون لجوء هذا البلد الإسلامي، إلى قواعد اجتماعية قاسية كتلك السائدة في دول إسلامية أخرى. ومن مصلحة أوروبا والولايات المتحدة أن تساعدا تونس على الحفاظ على طابع علماني في الحكم، لا سيما مع اقتراب انتخابات مصر.
وتساهم هذه الانتخابات في تحطيم الأسطورة القائلة بأن العرب غير قادرين على التصرف بطريقة ديمقراطية. ولكن هذا البلد الرائد، الذي تبث كل خطوة من خطواته على القنوات التلفزيونية الفضائية العربية، يحتاج الآن إلى المساعدة ليتمكن من تحريك عجلة اقتصاده الخامل، وتعزيز تطوره.