يتعرض طلب الفلسطينيين للاعتراف بدولتهم للمماطلة في الأمم المتحدة، في الوقت الذي من يملك مصيرهم فعلا، وهم الاسرئيليون، يبدون اكثر تشاؤما من أي وقت مضى حول آفاق السلام.

واستنادا إلى استطلاعات الرأي الصادرة حديثا، فإن ثلثي الإسرائيليين لا أمل لديهم في تحقيق سلام مع الفلسطينيين، لكن هذه الاستطلاعات تكشف في المقابل عن تناقض صارخ حيث تبين ان 88% من الإسرائيليين يعتقدون ان إسرائيل تشكل مكانا جيدا للسكن فيها. وقد تكون تل ابيب اليوم معزولة دبلوماسيا اكثر من أي وقت مضى منذ السبعينات، لكن مع انتعاش الاقتصاد الإسرائيلي والسيطرة على الهجمات الإرهابية، فإن الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين يعتقدون ان بإمكانهم العيش لأجل غير مسمى على أساس الوضع الراهن.

لكن ليس بإمكانهم ذلك، حيث ان إسرائيل كدولة مزدهرة تواجه تهديدات فعلية، لكن هذه التهديدات تصدر من الداخل اكثر مما تأتي من الخارج، فالصراع مع الفلسطينيين يهدد إسرائيل ليس لأن المتشددين الفلسطينيين أو من يبدو عليهم الاعتدال ظاهريا ينوون دفع اليهود إلى البحر كما يدعي اليمين الإسرائيلي، بل بسبب الفوضى التي ما زالت تعيث في سياسة البلاد الداخلية. أولا وقبل كل شيء، أدى استمرار الاحتلال إلى إشعال حالة انتماء عرقي ديني عدائي اصبح اكثر بروزا منذ الانتفاضة الثانية. وهذا يحصل عموما لأن الإسرائيليين اصبحوا أكثر تشاؤما حول آفاق السلام، ويعتقدون ان إسرائيل حاولت إنهاء الصراع بشتى الوسائل ولم تتلق في المقابل إلا الإرهاب والعرقلة والخزي الدولي.

وشعور القلق الملازم هذا عمل لصالح بعض السياسيين، ومن بينهم وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان وحزبه الوطني المتشدد، «إسرائيل بيتنا»، حيث قام أعضاء من هذا الحزب إلى جانب حلفاء لهم من الجناح اليميني لحزب الليكود وحزب كاديما الموصوف بالاعتدال، بمحاولة إسكات أصوات المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية وتركيزها على حقوق الإنسان والحريات المدنية.

ولقد سنوا تشريعات تسعى إلى الحد من حق الإسرائيليين في الاعتراض على الاحتلال بواسطة المقاطعة، وفي أذهانهم أيضا استقلالية المحكمة العليا، هذا وتبدو حصون إسرائيل ضد القوى الوطنية ذات التوجهات المعادية لليبرالية تتهاوى. ومن بين الضحايا هذه العرقية المتنامية مواطنو إسرائيل العرب، الذين يشكلون اكثر من 20% من سكان البلاد. وهؤلاء السكان الذين طالما عانوا من التمييز، ووجهوا خلال العقد الماضي بعدائية متزايدة من الحكومة الإسرائيلية.

فمنذ عام 2009، تقدم أعضاء في الكنيست ينتمون إلى الأحزاب الثلاثة الأكبر في البلاد بجملة من القوانين المعادية للعرب، من مثل ان يتعهد جميع المهاجرين الجدد بقسم الولاء لإسرائيل كدولة يهودية، أو بنود تنهي مكانة اللغة العربية كلغة رسمية.

وأخيرا، فاقم الاحتلال التحدي الذي يشكله اليهود المتدينون على ازدهار إسرائيل، وكانت الأحزاب الدينية تاريخيا تستغل الانقسامات حيال مستقبل أراضي إسرائيل، ويبيعون دعمهم يسارا أو يمينا لترجيح كفة الائتلافات الحكومية في مقابل إعانات ضخمة.

وقد بات عبء المتدينين على الاقتصاد الإسرائيلي كبيرا ومتزايدا، ويقلق المسؤولين عن مستقبل إسرائيل الاقتصادي. ولكن هذا لا يمكن ان يحل طالما تتشكل الحكومات الإسرائيلية وتسقط بالاستناد إلى دعم هذه الأحزاب الدينية.

ويقف الاحتلال في وسط كل هذه التحديات كتحد لمستقبل إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية مزدهرة. لكن إسرائيل لم تفقد كل شيء بعد، فائتلاف وسطي حاكم بإمكانه وقف انزلاق إسرائيل نحو التوجهات المعادية لليبرالية، ويعطي لمواطنيها العرب أملا في المساواة والعدالة، ويجبر المتدنيين على كسب رزقهم بدلا من العيش على حساب الدولة، لكن للقيام بذلك، يتعين على إسرائيل أولا الانسحاب من الضفة الغربية وحل الصراع مع الفلسطينيين.