أوحت مشاعر الابتهاج والارتياح، التي استقبلت كلاً من الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط والمئات من السجناء الفلسطينيين لدى عودتهم إلى منازلهم، بشكل سطحي، بانفراج في العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، المتعثرة منذ فترة طويلة، ولكن العكس هو الأكثر ترجيحاً. وبإلقاء نظرة عن كثب، فإن الاتفاق بين حماس وحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، يبدو أكثر ترجيحاً لأن يدس المزيد من السم في مواجهة مريرة أصلاً.
عمد الفلسطينيون، بمن فيهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إلى منح السجناء المفرج عنهم استقبال الأبطال، حيث خاطبهم محمود عباس، الذي غالباً ما يثنى عليه بوصفه مناهضاً للعنف، قائلاً: "إنكم مقاتلون من أجل الحرية ومجاهدون". وفي غزة، عمدت امرأة تم إطلاق سراحها مؤخراً، بعد أن سجنت على خلفية محاولتها القيام بعملية انتحارية في أحد المستشفيات الإسرائيلية، إلى حث حشد من تلاميذ المدارس على الاقتداء بها. أما في إسرائيل، فقد كانت هناك موجة من الغضب بشأن الضعف البدني الواضح الذي عانى منه شاليط، الذي اختطف من قبل مقاتلي حماس، واحتجز أسيراً منذ أكثر من خمس سنوات. وكما لو عن ظهر قلب، فقد أعربت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما والحكومات الأوروبية، عن أملها في أن عملية تبادل الأسرى ستؤدي بطريقة ما إلى استئناف مفاوضات السلام المتوقفة بين إسرائيل وفلسطين. ولكن التأثير المباشر لعملية التبادل كان إضعاف الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي كان يرفض أصلاً دعوة دولية لاستئناف المحادثات، ثم تقوية حماس التي لا تزال ملتزمة بتدمير إسرائيل. وقال المتحدثون باسم حماس، إن الصفقة ستلهم المزيد من العمليات لأسر إسرائيليين لتتم مقايضتهم بسجناء فلسطينيين.
وقد جادل مسؤولون إسرائيليون، بأن الصفقة أظهرت استعداد نتانياهو لتقديم تنازلات مؤلمة للفلسطينيين. ومع ذلك، ففي حين كانت الموافقة على إطلاق سراح 1027 فلسطينياً في مقابل جندي إسرائيلي، تشكل بلا شك خياراً صعباً بالنسبة لنتانياهو، فقد كانت أيضاً تلقى دعماً حماسياً من جانب معظم الصحف الإسرائيلية والرأي العام الإسرائيلي. وحتى الآن، لم يحدث أن أثيرت مثل تلك الضجة من أجل التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أو من أجل إبرام المزيد من الاتفاقات مع حماس. ويمكن لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو، أن يوسع نطاق الاستفادة من صفقة الأسرى، من خلال تخفيف الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة. فلطالما تذرع الإسرائيليون باحتجاز حماس لشاليط، على أنه العقبة الرئيسية في وجه مثل ذلك التحرير، إذ إن ذلك من شأنه أن يقلل من حدة التوتر المقلق بين إسرائيل وتركيا ومصر، وأن يقوض ربما ما يحظى به قرار قيام دولة فلسطينية، الذي لا يزال معلقاً، من تأييد في الأمم المتحدة. ومن جانبه، فقد يتمكن الرئيس محمود عباس بسرعة، من تأكيد دوره كزعيم فلسطيني، من خلال الموافقة على دعوة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا، لاستئناف محادثات السلام مع نتانياهو دون شروط.
ولكن نتانياهو، من جهة أخرى، يجعل أي تنازل من جانب الرئيس عباس أمراً صعباً، إذ أعلن مؤخراً أن حكومته تخطط لبناء مستوطنة جديدة في ضواحي القدس، على الرغم من أن محمود عباس اشترط تجميد المستوطنات الإسرائيلية لبدء المحادثات.
والآن، فقد قدمت إسرائيل جائزة استثنائية لحماس في مقابل الإفراج عن رهينة واحدة. ولكي يعود الرئيس الفلسطيني إلى محادثات السلام دون أي تنازل من هذا القبيل، أو لكي يوافق نتانياهو على حل وسط، فإن ذلك يتطلب شجاعة وحنكة سياسية، لا يبدو أن أياً منهما قادر على أن يجمع بينهما.