قام الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "ناتو"، أندرس فوغ راسموسن، وفي إطار التهليل لنهاية حكم الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، بالإشادة بنجاح العملية العسكرية التي جرت تحت قيادة الحلف. وله مطلق الحق في الشعور بالرضى، تماما كما القوات المسلحة المعنية. فقد كانت المهمة معقدة، حيث نفذت مئات الألوف من الطلعات الجوية بأخطاء محدودة جدا، وتمت تلبية تفويض الأمم المتحدة الخاص بحماية المدنيين عموما.

لكن نجاح هذه العملية شيء، وحالة الحلف شيء آخر، ومن الخطأ تماماً الاستنتاج أن الحلف في حالة ممتازة. والحقيقة هي أن وصف عملية ليبيا بأنها عملية لـ"ناتو"، ممكن فقط إذا تم القفز على بعض الحقائق المزعجة للغاية. فعضوان مهمان في الحلف، هما ألمانيا وبولندا، رفضا المشاركة في المهمة، أما الولايات المتحدة فقد وصف دورها بأنه "قيادة من الخلف". ورغم أن إبقاء واشنطن دورها بعيدا عن الأنظار يتعلق بأسباب داخلية أكثر مما يتعلق بالتشكيك في أهداف الحرب، إلا أن العملية بالكاد تشير إلى روح عظيمة لعمل الفريق.

إذا كان أعضاء "ناتو" غير قادرين على الاتفاق على مثل هذه المهمة، وإذا كان يتعين عليهم إخفاء مدى عمق تورطهم عن شعوبهم، مثل الولايات المتحدة، أو الاعتماد بشكل غير متناسب على واشنطن، كما فعلت بريطانيا وفرنسا، فإنه من قبيل الخداع الاستنتاج أن كل الأمور تسير بشكل جيد. وحملة ليبيا، بدلا من تجسيدها لقوة الالتزام داخل حلف "ناتو"، عرت ضعف الحلف المتنامي.

والآن بعد مصرع القذافي، فإن القضية المركزية في ليبيا هي: ما الذي سيلي ذلك؟ والجواب ما زال غير مؤكد. ولم يتضح يوما إلى أي حد ستعني إزاحة الدكتاتور نهاية لسفك الدماء. ورغم أن القتال تركز حول معاقل القذافي في بني وليد وسرت، منذ أن استولت قوات المجلس الوطني الانتقالي على طرابلس في أغسطس الماضي، فإن هذا لا يعني بالضرورة نهاية للأعمال العسكرية بمجرد وفاته. وما يثير القلق هو واقع أن القذافي يظهر أنه قد سقط وهو يقاتل في مسقط رأسه، ما يجعل من تحويله إلى أسطورة أمرا سهلا، ويعطي تشجيعا غير مرحب به كنقطة تجمع لأنصار النظام السابق الذين يتعذر إرضاؤهم، وللفصائل القبلية المنضمة إليهم، على السواء.

وبناء على هذه الخلفية، يتعين على المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا، البدء في مهمته الهائلة لإعادة بناء البلاد التي دمرتها ثمانية شهور من الثورة والحروب. ومما يدعو للارتياح أن الأموال على الأقل لن تشكل مشكلة على الأرجح، حيث بعد رفع تجميد الأصول الأجنبية لليبيا، فإنه يمكن للمجلس الوصول إلى مبالغ قدرها 150 مليار دولار، مضافا إليها 10 مليارات دولار موجودة في البنك المركزي الليبي. وسيأخذ الأمر وقتا قصيرا قبل أن تبدأ شركات الطاقة الأجنبية بإعادة الإنتاج من حقول النفط الليبية، وضخ المال في الاقتصاد التواق إلى النقد. لكن الثروة النسبية يمكنها أن تذهب فقط إلى هذا الحد من تسيير انتقال ليبيا، أما الأولوية المباشرة فينبغي أن تكون لسحب السلاح من أيدي الميليشيات.

ومع نهاية الدكتاتور السابق، فإن أعدادا هامة من مقاتلي الحرية يتوجب إقناعهم بالتخلي عن أسلحتهم والعودة إلى الحياة المدنية. وهذا تحد رهيب، ويفترض حله إلى جانب العمل الأوسع نطاقاً لعلاج الانشقاقات، في إطار مجتمع منقسم بشكل عنيف. ورغم الدعوات المتكررة للمجلس الوطني الانتقالي للتسوية، فإن الأحداث لا تبدو مشجعة إلى الآن.