لنعد بالذاكرة إلى الوراء قبل (دزينة) من السنوات، قبل توجيه كامل طاقة الاحتجاج لمقاومة الحروب في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، والكرنفال المناهض للرأسمالية الذي جذب أعداداً كبيرة من المحتجين إلى شوارع لندن، في الواقع أكبر من الأعداد التي وقفت خارج كاتدرائية القديس بولس مؤخراً. فما هو مختلف هذه المرة ليس عدد المتظاهرين، وإنما نوعيتهم. فقد التف حولها على نطاق واسع، طلاب طوال الشعر في المرة الأخيرة. أما اليوم فإنهم مجموعة أكثر اختلاطاً، بمن فيهم بعض الذين لم يسبق لهم الاحتجاج من قبل، وآخرون ممن استبعدوا من وظائف محترمة. حجة هذا الحشد المتنوع، تستقطب الدعم من جهات مختلفة على قدم المساواة.

حظيت حركة احتجاجات "احتلوا وول ستريت"، التي كانت ملهمة لاحتجاجات لندن، بالإشادة في صحيفتي "نيويورك تايمز" و"فايننشال تايمز"، باعتبارها دعوة إلى اليقظة إزاء حالة الظلم. ويستمع الرئيس الأميركي باراك أوباما لصدى "إحباطات الأميركيين العاديين". وحتى الآن أجرت الشرطة مفاوضات مع المتظاهرين في لندن بروح طيبة، بل إن السماء تبدو راضية عن المستشار الكنسي "غايلز فريزر"، الذي أبدى مستوى لائقاً من الاحترام، من خلال إصراره على أن كاتدرائية سانت بولس ليست بحاجة إلى حماية خاصة. يمكن أن تكون الأجواء لا تزال غير مستقرة، كما هي الحال بالفعل في روما، ولكن الآن يبدو مثل حركة ضربت على وتر حساس.

تحمل إحدى اللافتات خارج كنيسة القديس بولس "الرأسمالية هي الأزمة". وهذا الوصف قاسٍ للغاية، إلا أن المراقبين المتعاطفين مع الرأسمالية، بدءاً من ريكاردو حتى شومبيتر، كانوا دائما يشيرون إلى أنها تؤدي إلى أزمات على الأقل، وتم تذكير العالم كله بذلك مؤخراً.

 ورغم الغطرسة من جانب رئيس الوزراء البريطاني السابق غوردون براون بشأن استبعاد الازدهار والكساد، فإن الرأي العام لم يستبعد أبداً إمكانية عودة تلك الأوقات الصعبة. لقد صمدت الرأسمالية في مواجهة مراحل صعود وهبوط على مدى قرون ماضية. ضعف النظام المالي الحاكم في الوقت الحالي، يعود بقدر أقل إلى الحقيقة المألوفة لحال الركود، مقارنة بالطريقة التي جعلت المجتمع أقل قدرة على التحكم في العواقب. وينطوي هذا الضعف على أبعاد متعددة.

وعلى مر التاريخ في ما بعد الحرب، وفرت دولة الرفاه حماية للفرد ضد ويلات وحشية من الركود، في حين ان استعداد الدولة للتدخل من أجل التحفيز، منح الأمان للمجتمع ككل. وليس من الواضح ما إذا كانت هذه الحماية سوف تكون صالحة مجدداً. وبالطريقة نفسها التي أفضى بها هياج الجمهوريين من حزب الشاي، إزاء الضرائب ومنع زيادة العائدات من أجل الصالح العام، فإن موجة المثالية السوقية تترك خيال التحالف يسيطر عليه الأمل بأن التخفيضات العامة سوف تحفز تلقائياً الاستثمار الخاص، حتى في الوقت الذي تكشف الوقائع أن هذا ضرب من الوهم.

ويبقى سؤال مفاده؛ من يحصل على ماذا قبل الركود؟ وكما يوضح الرسم الكاريكاتيري القديم أن أحد الرأسماليين الذي يعتمر قبعة عالية على قمة سلّم، يحث زملاءه الأقل بهرجة على النزول درجة واحدة، فإن موقف السواد الأعظم من الناس إزاء التضحية المشتركة، سوف يتوقف على ما إذا كانت الرأسمالية تهددهم بالغرق أم لا.

في السنوات التي سبقت الركود الكبير، كانت الشريحة التي تعود على طبقة الـ1% من الأثرياء، قد اتسعت لكي تشكل عصراً ذهبياً جديداً. وفي الوقت نفسه، فإن رواتب الآخرين ظلّت راكدة على امتداد جيل كامل في الولايات المتحدة، ثم مؤخراّ، حدث ذلك في بريطانيا لأكثر من عقد من الزمن حتى الآن.