يصعب تفسير اتفاق تبادل السجناء، الذي تم التوصل إليه مؤخراً لإطلاق سراح جلعاد شاليط، وهو الجندي الإسرائيلي المحتجز في غزة منذ خمس سنوات، على أنه أي شيء أقل من انتصار لخاطفيه، وهم أعضاء حركة حماس، ولكنه نصر محدود.
فمن بين الـ1027 أسيراً فلسطينياً الذين وافقت إسرائيل على الإفراج عنهم في إطار هذا الاتفاق، لم تتمكن حماس من ترشيح سوى 479 منهم (والبقية سيتم اختيارهم من قبل إسرائيل). و315 سجيناً من أصل أولئك الـ479 أسيراً المرشحين، هم أشخاص يقضون أحكاما بالسجن المؤبد، حكمت المحاكم الإسرائيلية عليهم بها بدعوى تورطهم في عدد من أعنف الهجمات على إسرائيل، ومعظمهم أمضى أكثر من 20 عاما في السجن.
والمحدودية، هي أن حماس لم تحصل على جميع الأسرى. فلا يزال أبرز خمسة من أعضائها يقبعون خلف القضبان، مع زعيم حركة فتح مروان البرغوثي وأحمد سعدات من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقد وافقت أيضا على السماح بترحيل 203 من السجناء المفرج عنهم، وهي نقطة خلاف رئيسية في المفاوضات. ولكن من حيث القدرة على انتزاع الفلسطينيين من جميع الفصائل من سجون الاحتلال الإسرائيلي، فقد قال خالد مشعل، زعيم حركة حماس، إن الاتفاق يعد إنجازا وطنياً، ومعظم الفلسطينيين، بمن فيهم قادة وأعضاء حركة فتح، يوافقونه الرأي.
لماذا تمكن ألد عدوين في الصراع من التوصل إلى اتفاق؟ من الأفضل في هذا الصدد ألا نبالغ في تفسير تلك المسألة، وبناء على التجارب السابقة، فإن بعض الفلسطينيين الذين سيتم إطلاق سراحهم عما قريب، سيكونون إما في السجن مرة أخرى أو لقوا حتفهم في غضون عام من الآن. ولكن حقيقة أن الصفقة أبرمت الآن، بعد أن انهارت في مناسبتين سابقتين، تعود، جزئيا على الأقل، إلى أحداث الربيع العربي.
وقد أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، بقدرة المصريين المتزايدة على التعبير عن مشاعرهم إزاء إسرائيل، وقد كانت المخابرات المصرية هي التي استضافت المحادثات.
ولمح إلى أنهم لو انتظروا لفترة أطول، لما تمكنوا ربما من التوصل إلى اتفاق على الإطلاق. وفيما اجتمع مجلس وزرائه للموافقة على اتفاق تبادل الأسرى، أصدرت إسرائيل اعتذارا رسميا للحكومة المصرية، عن قتل خمسة رجال شرطة مصريين بإطلاق النار عليهم، بعد هجمات إيلات في أغسطس الماضي. وإذا كان ذلك تصرفاً أكثر براغماتية، واعترافاً بأن عزلة إسرائيل تفاقمت بعد رفضها لتوجيه اعتذار مماثل لتركيا عن مقتل مواطنيها على أيدي جنود إسرائيليين، فإنه خطوة في الاتجاه الصحيح. إن إسرائيل لا تستطيع تشكيل بيئتها، ولكنها مضطرة للعيش فيها.
وتعاني حماس، هي الأخرى، من نصيبها الذي يعتد به من المشكلات التي نجمت عن أحداث الربيع العربي، إذ ان رفضها للانحياز إلى طرف بعينه في الانتفاضة السورية، أثار غضب كل من الرئيس السوري بشار الأسد والإيرانيين، مما تسبب في تقديم الموعد الذي قد تضطر فيه إلى نقل مقرها الخارجي من العاصمة السورية دمشق.
إن هذه الصفقة من شأنها أن تعيد لـ«حماس» أمجادها، إلا أن القضايا الأكبر لا تزال معلقة بلا معالجة. وقد استهل الرئيس الفلسطيني محمود عباس مساعيه للحصول على اعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، ولكن لا يوجد أمل في تحقيق ذلك على أرض الواقع، ولم يبد أي من الجانبين سوى استعداد سياسي محدود للتفاوض بشأن ذلك الأمر.