يجمع المراقبون لتطورات الأحداث في الشرق الأوسط على أن كل عمود من أعمدة السياسات الأميركية في المنطقة يتغير بسرعة، ويندرج في جانب كبير من التغيير قيام اللاعبين في المنطقة بانتزاع أقدارهم بأيديهم تاركين الولايات المتحدة في موقف ضعيف على نحو غريب، وفي وضعية مهمشة غالبا.

وتبدأ التجليات الرئيسية لهذا الموقف في سلوكيات الفلسطينيين والمصريين والأتراك وغيرهم من أبناء المنطقة، وأيضا الروس والصينيين من خارجها. والقضيتان الأكثر دلالة واللتان تكشفان حيرة الأميركيين هما الطلب الفلسطيني للأمم المتحدة للاعتراف بالدولة، والثورات العربية المتتابعة عبر المنطقة.

والتجسيد الدراماتيكي لحيرة أميركا وتناقضاتها وتراجع مصداقيتها هو عجزها عن إيقاف الحركة المندفعة قدما للطلب الفلسطيني المقدم للأمم المتحدة.

وقد كشف هذا على نحو دراماتيكي عزلة واشنطن في الشرق الأوسط لأن التزامها القوي لإسرائيل قد تجاوز أي قضية أخرى بالنسبة لواشنطن بما في ذلك تطبيق القانون الدولي على المشكلات المعقدة مثل توسع المستوطنات الإسرائيلية.

ولم يكتف الفلسطينيون بتنحية الاعتراضات الأميركية على تحركهم في الأمم المتحدة جانبا فحسب، وإنما تبعوا ذلك بتقديم طلب اعتراف لليونيسكو التي تلقت موافقة مبدئية من مجلسها التنفيذي، وقد بادرت واشنطن إلى التهديد بقطع تمويلها لليونيسكو الذي يشكل 22% من ميزانية المنظمة الدولية. وفي هذا العالم الجديد الذي ندخله، فإن الفلسطينيين يتحركون وتكتفي واشنطن بإبداء رد الفعل.

وهذا لا يعدو ان يكون مثالا واحدا للكيفية التي يمكن ان تكون بها أقوى دولة في العالم هي أيضا القوة الأكثر ضعفا في الشرق الأوسط، على الرغم من قواتها المسلحة التي تخوض حربين في العراق وأفغانستان. وتعكس عزلة الوفدين الأميركي والإسرائيلي في الأمم المتحدة واقعا أوسع نطاقا على امتداد المنطقة تنظر معظم الشعوب والحكومات إلى السياسات الأميركية باعتبارها مناقضة أو حتى معادية لرفاهها.

 وسوف يتواصل إبراز هذا الجانب من خلال التحرك الفلسطيني في الأمم المتحدة على امتداد الشهور المقبلة. ويحظى الطلب الفلسطيني في الأمم المتحدة في الوقت الراهن بنقاش واسع النطاق على امتداد الولايات المتحدة ويتمثل الموقف المشترك في واشنطن في الحيرة التامة حول الاتجاه الذي تمضي فيه أميركا والعواقب المترتبة عليها، وحتى المسؤولين الفلسطينيين المقربين من الرئيس الفلسطيني محمود عباس ليسوا على يقين مما سيحصل عقب ذلك لأن ثلاثة أبعاد التحرك الفلسطيني تظل مجهولة وهي الاستراتيجية الفلسطينية وتأثيرها على الأرض وردود الأفعال الأميركية أو الإسرائيلية.

إن الدروس المحورية حتى اليوم من المبادرة الفلسطينية في الأمم المتحدة هي ان القوة شيء تولده بأعمالك، وبمصداقيتك كفاعل سياسي دولي، وهي تنبع أيضا من قدرتك على التحكم بهذه القوة واستخدامها بكفاءة وحكمة. ويبدو ان القيادة الفلسطينية قد تعلمت الدرس الأول وتتابع مبادرة الأمم المتحدة بطريقة تكشف قدرتها على تحريك الجمود في الساحة الدبلوماسية.

وبغض النظر عما إذا كانت القيادة الفلسطينية تتحرك قدما وفقا لأي استراتيجية متماسكة، أو تتمتع بأي شرعية يعتد بها أو دعم من شعبها، فإنها قد فجرت نقاشا مهما في أميركا كشف أيضا النقاط على التناقضات والحيرة في واشنطن حول محاولتها غير الناجحة لتكون في آن ضامنة لتفوق إسرائيل في المنطقة ووسيطة في ميلاد دولة فلسطينية. والفلسطينيون عجزوا عن التعايش مع هذا الموقف فقاموا بمبادرة لكسر الجمود والولايات المتحدة يبدو أنها غير واثقة من الطريقة التي ينبغي أن تستجيب بها لهذا الموقف.