عرف المخطط الاستراتيجي العسكري الشهير الجنرال جون فريدريك تشارلز فولر، هدف الحرب الحقيقي على أنه تحقيق النتائج السياسية المرجوة، وليس قتل الأعداء. ولكن ذلك بالضبط هو ما تقوم به الولايات المتحدة في أفغانستان. فبعد عشر سنوات من الحرب، التي كلفت ما لا يقل عن 450 مليار دولار، وأسفرت عن مقتل 1600 جندي وإصابة 15 ألفا بجروح خطيرة، لم تحقق الولايات المتحدة أيا من أهدافها الاستراتيجية أو السياسية.
ويكلف وجود كل جندي أميركي في أفغانستان، مليون دولار سنويا. وتوظف وكالة المخابرات المركزية 80 ألفاً من المرتزقة في تلك المنطقة، بتكلفة غير معروفة. وعلاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة تنفق مبلغاً هائلاً قيمته 20,2 مليار دولار سنوياً، لتكييف هواء قواعدها العسكرية في أفغانستان والعراق. وقد صدر أكثر التقييمات إدانة من الرئيس الأفغاني الذي عينته الولايات المتحدة حامد قرضاي، حيث قال إن حرب أميركا كانت "غير مجدية، فضلا عن تسببها في سقوط ضحايا من المدنيين".
وقد كان هدف واشنطن التوصل إلى تسوية سياسية مناسبة، تسفر عن دولة أفغانية هادئة يحكمها نظام يستجيب تماماً لمصالح الولايات المتحدة، السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، وتشكيل جيش أفغاني خاضع لقيادة ضباط بيض، وبناء قواعد أميركية تراقب الصين، وتتحكم في حوض بحر قزوين الغني بمصادر الطاقة.
ولم تكن الادعاءات بشأن محاربة "الإرهاب وتنظيم القاعدة" وتحرير المرأة الأفغانية والديمقراطية، سوى واجهة زائفة لتأييد الحرب، حيث اعترف رئيس وكالة المخابرات المركزية (وزير الدفاع الحالي) ليون بانيتا، بأن عدد أعضاء القاعدة الموجودين في أفغانستان يتراوح بين 25-50 عضوا. فما الحاجة لوجود 150 ألف جندي من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي هناك؟
وفي تلك الأثناء، لم تتمكن واشنطن من تشكيل حكومة مستقرة في كابول. والسبب الرئيسي في ذلك هو السياسة العرقية، إذ إن أكثر من نصف الأفغان هم من البشتون، وهي الجماعة التي تنتمي إليها حركة طالبان، والتي تلقى معارضة شديدة من جانب الأقليات الطاجيكية والأوزبكية والهزارية. وقد تعاونت تلك الجماعات الثلاث مع الاحتلال السوفييتي في الفترة بين عامي 1979 و1989.
وهي تتعاون اليوم مع احتلال الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. وينحدر معظم أفراد الجيش والشرطة الأفغانيين، الذين تنفق عليهما الولايات المتحدة 6 مليارات دولار سنويا، من الطائفتين الطاجيكية والأوزبكية، وهم بالنسبة للبشتون أعداء ألداء. وفي أفغانستان، عمدت أميركا إلى بناء سياستها على الرمال المتحركة العرقية. والأسوأ من ذلك أن أفغانستان التي تديرها الولايات المتحدة، تنتج الآن 93% من إجمالي الإنتاج العالمي للهيروين.
وهو أكثر المخدرات خطورة. ووفقاً للأمم المتحدة، فقد أوشك إنتاج المخدرات في عهد طالبان على أن يتوقف تماماً. واليوم، تشهد تجارة المخدرات الأفغانية ازدهاراً بارزاً. وتحاول أميركا إلقاء اللوم على حركة طالبان، ولكن الجناة الحقيقيين هم كبار المسؤولين الحكوميين في كابول، وقادة الحرب الذين تدعمهم الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن الولايات المتحدة تفخر الآن بكونها المسيطرة على دولة المخدرات الأبرز على مستوى العالم.
وبتورطها مع مافيا المخدرات الأفغانية الطاجيكية. لن تتمكن الولايات المتحدة من تحمل تكاليف حربها التي لا نهاية لها ضد الشعب البشتوني الشرس، الذي عرف عنه جعل أفغانستان "مقبرة للإمبراطوريات"، ولكن المؤسسة الإمبراطورية في واشنطن تريد التمسك بفكرة أفغانستان الاستراتيجية، ولا سيما القواعد الجوية السوفيتية السابقة في باغرام و قندهار.
ومع احتمال الوصول إلى طريق مسدود أو حتى الهزيمة في أفغانستان، تحاول واشنطن جر الهند إلى الصراع. ومن شأن اللجوء لهذه الحيلة اليائسة، وتغذية الصراعات العرقية، أن يضمنا لأفغانستان عقداً آخر من البؤس.