بعد مرور عشر سنوات على غزو أفغانستان، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قد انتصرت في تلك الحرب أو لم تنتصر، حيث يشير مصرع أسامة بن لادن إلى هزيمة تنظيم القاعدة. ولكن حتى بعد الانسحاب المقرر لـ30 ألف جندي أميركي بحلول أواخر عام 2012، سيبقى ما يقرب من 70 ألف جندي في الأراضي الأفغانية.
ورغم جميع النقاشات حول مكافحة الإرهاب، فإنه لم يسبق أن كانت طريقة فهم الحرب أو خوضها بهذا القدر من الضيق، حيث سعت الولايات المتحدة وحلفاؤها باستمرار وراء مهمة بناء الدولة. وتقوم الاستراتيجية الأميركية الحالية لتسليم "ملكية" الحرب، على الحصول على "موافقة" محلية على كل من سياسة مكافحة التمرد والمشروع الأكبر لبناء الدولة، من خلال الفوز بـ"قلوب وعقول" الأفغان. ولكن هذا النهج تمت تجربته وباء بالفشل في الماضي. وفي الحقيقة، تبنت الإمبراطورية البريطانية الاستراتيجية المعيبة ذاتها، منذ أكثر من قرن من الزمان.
وقد عمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى محاكاة سياسات البريطانيين المسؤولين سابقاً عن الحدود الهندية. فقد استغلوا ما يستوعبونه على أنه "تقاليد محلية"، استغلالاً واسع النطاق من أجل تعزيز سلطتهم، إذ يجلس الجنود الأميركيون في المجالس، أو الجمعيات، القبلية لكسب تأييد زعماء العشائر المحليين، ويتم تجنيد ميليشيات قبلية تسمى "أربكاي" لحفظ النظام بين الأفغان. ولكن بدلاً من إظهار مدى رقي معلومات الجيش الثقافية، فإن هذه الجهود تثبت للأفغان ضعف فهم التحالف للثقافات المحلية فحسب.
وفي الواقع، من المحتمل أن تقود "الأربكاي"، وهي مؤسسة غريبة عن شمال أفغانستان، إلى تأييد الأفغان لحركة طالبان. وكما أخبرنا أحد السكان المحليين في مدينة قندز: "في الماضي، كان هناك أشخاص يناصرون الحكومة في النهار ويناصرون حركة طالبان في الليل، أما الآن فهناك أشخاص يكونون من رجال "الأربكاي" في النهار ولصوصاً في الليل".
إن القبائل في أفغانستان ليست قبائل بدائية ولا منقطعة عن العالم الحديث، ومن شأن التركيز الكلي على القبائل، وحركة طالبان، والعرقية، كمفاتيح لفهم وحل النزاع، أن يغفل الفروق الدقيقة بين ماضي المنطقة وحاضرها.
ويميل التركيز الدولي على "الفساد"، إلى تصوير التجار الأفغان على أنهم مرتشون وعاجزون. ويتم نبذ رجال الأعمال الأفغان باعتبارهم أشخاصاً استغلاليين وغير أخلاقيين، أو أصدقاء حميمين لقادة الحرب أو لمهربي مخدرات دوليين. وتعد مثل هذه الآراء غاية في الخطورة، إذ إن هؤلاء هم الأشخاص الذين سيشغلون الفراغ الذي سيخلفه انتهاء الدعم الدولي للحكومة الافغانية.
وفي الواقع، يلعب التجار الأفغان أدواراً اقتصادية مهمة داخل البلاد وخارجها، فهم يصدرون السيارات اليابانية المستعملة من الخليج إلى آسيا الوسطى، والأحجار الكريمة إلى هونغ كونغ وسريلانكا. كما يبيعون النباتات الطبية للهند وألمانيا، ويعبرون المنطقة بانتظام بحثا عن فرص اقتصادية جديدة من شأنها أن تربط الأفغان بالعالم الخارجي. ورغم الفقر الذي تعاني منه أفغانستان، فإن هؤلاء التجار هم أساس الاقتصاد وأحد أهم عوامل استقرار الدولة الأفغانية.
وعلى غرار التعلق بالتقاليد القبلية، فإن هوس الغرب بالفساد يحجب الشبكات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة، التي تحدد أفغانستان الحديثة. وكما تظهر التجربة البريطانية في أواخر القرن التاسع عشر، فإن التركيز المبسط والمتواصل على "التقاليد" كاستراتيجية للخروج، لن يفضي إلى إقامة دولة أفغانية مستقرة.
وإذا كانت أميركا وحلفاؤها يتطلعون إلى إقامة شراكة مع مواطنين أفغان مستعدين وقادرين على بناء مستقبل مستقر سياسيا واقتصاديا، فيتعين عليهم أن يتخلوا عن تشويه "التقاليد" التي هيمنت على تفكير المنطقة منذ أمد بعيد.
وفي حال لم يفعلوا ذلك، فإن عشرة أعوام من القتال، واستثمارات من جانب دافعي الضرائب الأميركيين بقيمة تتجاوز 400 مليار دولار، ومقتل ما يزيد على 2700 جندي من الجيوش المتحالفة، ناهيك عن عدد غير معروف من الأفغان، كل ذلك سيذهب هباء.