كانت التهديدات الجائرة بقطع المساعدات عن الفلسطينيين، في حال قرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس المضي قدماً في جهوده الرامية إلى اعتراف الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية، سيئة بما فيه الكفاية. وفي الحقيقة فإن اتباع الكونغرس الأميركي الآن مثل هذه الأساليب الترهيبية، يعد أمراً مخجلاً.

وبعد أيام قليلة من تقديم الرئيس الفلسطيني لطلبه إلى الأمم المتحدة، حجب الكونغرس ما قيمته 200 مليون دولار من المساعدات الموجهة للمناطق الفلسطينية الفقيرة. ولا بد من التنديد بهذه الخطوة على مستوى عالمي. ويندرج أحد أقوى أسباب ذلك التنديد، ضمن باب اللياقة والأخلاق. ففي حين تبدو 200 مليون دولار مبلغاً صغيراً بالنسبة لميزانية مساعدات واشنطن التي تضم مليارات الدولارات، فإن مبلغاً كهذا قد يؤتي ثماراً وفيرة في الأراضي الفلسطينية الفقيرة. وسيؤثر وقف التمويل بشكل سلبي، على سلسلة من الجهود الضرورية لبناء فلسطين، بما في ذلك لوازم "برنامج الأغذية العالمي"، وخطط تدريب المعلمين، ومشاريع البنية التحتية الكبرى.

وفي حال لم تشكل نوعية الحياة التي يعيشها الفلسطينيون العاديون سببا كافيا لتوجيه اللوم، فهناك أيضا مسألة الاستقرار الإقليمي. ففي حقيقة الأمر، إن أي شيء يولد شعوراً بالإحباط من خلال تقويض الخدمات العامة أو، على نحو أسوأ، يعرض تمويل الأجهزة الأمنية للخطر بصورة مباشرة، يعد لعباً بالنار. وليس بالنسبة للفلسطينيين فحسب، إذ إن أي زيادة في درجة الفوضى في الضفة الغربية، تؤثر مباشرة على إسرائيل. وقد لا يتمكن أعضاء الكونغرس من فهم عواقب تصرفاتهم، ولكن نقطة كهذه لا تغيب عن أي من البيت الأبيض أو إسرائيل.

 وحتى الآن، يعمل الرئيس الأميركي باراك أوباما على أن ينأى بنفسه عن قضية المساعدات. وفي وقت سابق من الصيف، عمد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شخصياً، إلى دعوة أنصاره في الكونغرس لعدم حجب المساعدات عن الفلسطينيين.

ويبدو أن الرسالة لم تصل بعد. وعلى نحو مقلق، فإن التلميحات إلى أن التصويت اليهودي قد يكون متردداً في موقفه من الديمقراطية التقليدية، تترك للرئيس الأميركي باراك أوباما مجالاً للمناورة أصغر من المعتاد. وبصرف النظر عن ذلك، يتحتم على كل من البيت الأبيض وإسرائيل، أن يمارسا كل الضغوط الممكنة على الكونغرس، في سبيل دفعه إلى التخلي عن موقف عقابي يتسم بالقسوة، ومن شأنه أن يسفر عن نتائج عكسية.

ويعد تجميد أموال المساعدات أول محاولة انتقام ملموسة من جانب الكونغرس الأميركي، ضد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، منذ أن عمد الأخير إلى إغضاب المشرعين الأميركيين، من خلال إقدامه على تقديم طلب بمنح فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة. وقد دخل التجميد غير المعلن حيز التنفيذ في أغسطس الماضي، وتم فرضه رداً على محاولة الحصول على اعتراف بالدولة الفلسطينية، وعلى الجهود التي بذلت في وقت سابق لإحلال المصالحة بين حركة فتح التي يتزعمها محمود عباس وحركة حماس، والتي لم تحقق نجاحاً حتى الآن.

ولم تتمكن وكالة التنمية الدولية التابعة للولايات المتحدة، من توزيع الأموال المخصصة لمجموعة واسعة من المشاريع الإنسانية والتعليمية، والهادفة إلى بناء القدرات، منتظرة نتيجة مفاوضات الحكومة الأميركية مع زعماء الكونغرس بهدف رفع التجميد. وقال غسان الخطيب، كبير المتحدثين باسم السلطة الفلسطينية: "تلك خطوة غير بناءة على الإطلاق. ولا يعد مثل هذه التصرفات أمراً مبرراً، إذ أن هذه المشاريع مشاريع إنسانية وتنموية في المقام الأول. ويمثل هذا شكلاً آخر من أشكال العقاب الجماعي، الذي من شأنه الإضرار باحتياجات الشعب الفلسطيني، دون أن يحقق أية مساهمة إيجابية".