طال الحديث في أوروبا حول مأزق سياسي متعلق باقتصادات المنطقة، حيث تم استبعاد اتفاق عملي لإنقاذ اليورو، بفعل تلقي ناخبين متباينين وعوداً متناقضة. ولكن الاقتصادات السيئة الحالية، تحدث تغييرات جذرية على الصعيد السياسي.
ففي وسط الأسواق المحمومة، وفي ظل تهديدات الكساد، ألقى رئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل باروسو خطاباً، مؤخراً، وبدلاً من التحدث بلغة رقيقة حول اجتياز المخاض، قال إن الاتحاد الأوروبي يواجه حالياً أشد الأزمات خطورة، ولا يمكن حلها إلا عبر تكامل جديد. وبالتأكيد، فإن باروسو لا يواجه الناخبين بشكل مباشر، ولكن أنغيلا ميركل تبدو الآن وكأنها قد تحذو حذوه.
ربما كان من شأن عملة واحدة مصممة بشكل أفضل، أن تسمح لليونان بالتخلف عن الدفع داخل منطقة اليورو وتحمل تبعات ذلك. ولكن اليورو أثقل كاهل القارة الأوروبية، فضلاً عن اللوائح غير المناسبة التي ربطت المصائر المالية معا. إن البنوك الفرنسية التي سمح لها بالتعامل مع الديون اليونانية على أنها مأمونة الجانب، تواجه حالياً إفلاساً لا يمكن التخلص منه إلا بالأموال العامة.
وبالنظر إلى أن المخاطر المالية لا تحترم الحدود الوطنية، فإن هناك شيئاً من المنطق في اقتراح باروسو بأن تتم معالجة تلك المخاطر بصورة جماعية. وتكمن المشكلة الفورية في إقناع 17 برلماناً منفصلاً، بفتح صندوق الاستقرار المادي في حالات الطوارئ. وقد قامت فنلندا بدورها ومن ثم تلتها ألمانيا. وبعد برلين، توجهت أنظار القارة الأوروبية إلى براتيسلافا، حيث ثبت أن الحصول على الإذعان السلوفاكي أمر أكثر صعوبة. ومن الجلي أن هذه ليست الطريقة المناسبة للعمل على حل أزمة ما.
والشيء الأكثر مدعاة للخوف، كما تقر ميركل الآن، هو أن الأموال التي تم جمعها لم تعد كافية. ولو كانت هناك طريقة سهلة لجعل اليونان تغادر أو ألمانيا تنسحب، لكان سيتم النظر فيها بلا شك. ولكن الحقيقة، التي كشف عنها بحث أجري من قبل بنك الاتحاد السويسري، هي أنه لا وجود لتلك الطريقة. ومع عدم وجود طريق قانوني للخروج، فإن صلاحية معاهدات الاتحاد الأوروبي ستصبح فجأة موضع تساؤل، وستقبع وسط كساد متفاقم، من شأنه أن يؤجج النزعة التجارية ويحول دون إعادة التفاوض.
وبالتالي، فقد تتحول الأزمة إلى أزمة وجود، بالنسبة للمشروع الأوروبي برمته. ويجري حالياً التفكير بمختلف أنواع الحيل لتأخير الحساب، ومنها الاستفادة من أموال صندوق الدعم للتمكن من شراء المزيد من السندات، وهي حيلة تحمل أصداء فقاعة ما قبل الكساد. إن حلاً أكثر إرضاء من الناحية الفنية، يتضمن تحمل البنك المركزي الأوروبي مسؤولية طباعة أي أموال لازمة، ولكن في حين أن هذه البيروقراطية قد تملك السلطة القانونية للسير في ذلك الطريق، فإنها من الممكن أن تتسبب بقص جناحيها لو أرادت أن تحلق منفردة، دون مباركة الألمان المتشككين.
أما الطريق الأكثر قابلية للاستدامة، فينطوي على صفقة كبرى، تتضمن تكفل شمال أوروبا بديون الجنوب، مقابل ضوابط اتحادية وضرائب مركزية، تماما كما تقترح المفوضية. إن العقبات كثيرة، بدءاً من المحكمة الدستورية في ألمانيا إلى العرقلة البريطانية، والتي كانت واضحة في رفض جورج أوزبورن المتسرع لاقتراح اللجنة فرض «ضريبة توبين». ومن ثم تبقى مسألة السياسة. وحتى فيما يقوم أوزبورن بحث منطقة اليورو على إنجاز العمل المطلوب، يناضل مسؤولوه من أجل ضمان أي حل لا يؤدي إلى استفتاء محكوم عليه بالفشل.
وفي حين يمكن إدانة مثل هذه العرقلة، فإنه لا يمكن الاستغناء عن الحصول على موافقة ديمقراطية، وذلك غير ممكن إلا من خلال نقاشات مشابهة لتلك التي شرع بعض القادة، بما في ذلك ميركل، في إثارتها. دعونا نأمل أنهم لم يفعلوا ذلك بعد فوات الأوان.