يشكل قيام تركيا بطرد السفير الإسرائيلي لديها، والتدني في مستوى العلاقات الدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب، والانتقادات المتزايدة في حدتها للهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية، من جانب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، يشكل كل ذلك ما يتجاوز عثرة مؤقتة في العلاقات التركية - الإسرائيلية. ومن الواضح أن كل ذلك يشير إلى أن أنقرة قد ضاقت ذرعا بتلكؤ إسرائيل في تقديم الاعتذار عن اعتدائها على أسطول الحرية، والتعويض لأقارب الأتراك التسعة الذين لقوا حتفهم في هذا الهجوم الإسرائيلي. وتعتزم أنقرة في الوقت الحالي، رفع الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، إلى محكمة العدل الدولية للفصل فيه.

وفي غضون ذلك، يمكن تفسير زيارة أردوغان الأخيرة للقاهرة، باعتبارها مؤشرا لتأييده العملية الديمقراطية التي تشهدها مصر، والتي يواكبها ارتفاع هائل في سخط الرأي العام المصري على إسرائيل، وكذلك تضامنهم مع القاهرة بشأن قتل خمسة من رجال الأمن المصريين بالنيران الإسرائيلية في سيناء. وما قام به أردوغان في القاهرة سيدرس عن كثب في باقي أرجاء المنطقة.

وقد اختصر أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركي، المشاعر السائدة في بلاده بقوله: "لقد آن الأوان لكي تدفع إسرائيل ثمن عملها غير المشروع، وفي المقام الأول ها هي تحرم من صداقة تركيا".

وبينما أشار داوود أوغلو إلى أن اعتذار إسرائيل ودفعها التعويضات لأقارب القتلى الأتراك التسعة والجرحى، يمكن أن يؤدي إلى استعادة العلاقات الطبيعية بين الجانبين، فإن أردوغان أوضح أن إسرائيل لا بد لها أن تنهي الحصار البحري الذي تفرضه على قطاع غزة، لكي تعود العلاقات إلى طبيعتها. وقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بقوة، أن إسرائيل لن تتقدم بالاعتذار عما قامت به. وبينما قد يرجع موقفه هذا إلى سياسات ائتلافية داخلية، فإنه قد أوجد جمودا دبلوماسيا. وإدارة أوباما التي تشعر بالقلق إزاء عواقب قطيعة كبرى بين أنقرة وتل أبيب على المصالح الاستراتيجية الأميركية، تخشى مواجهة حكومة نتانياهو لأسباب واضحة، ولم تقم بفرض أي ضغوط على إسرائيل، وهكذا فإنها تخاطر بتغريب تركيا التي تعد عضوا مهما في "ناتو".

إن هذا التطور الدبلوماسي له عواقب مهمة على مستقبل الشرق الأوسط، فهو أولا يوضح أن هيمنة إسرائيل على شرقي المتوسط لن تستمر بلا تحد، وقد أوضح أردوغان أن البحرية التركية ستقوم بدور أكثر نشاطا في هذه المنطقة، بل وأشارت مصادر تركية إلى أن البحرية التركية قد تواكب السفن التي تحمل الإغاثة إلى غزة. وأي محاولة مستقبلية من جانب إسرائيل للحيلولة دون وصول هذا الدعم إلى غزة، يمكن أن تشعل شرارة مواجهة عسكرية. وهذا التطور يظهر ثانيا، أن التحدي الإسرائيلي للقانون الدولي، سيواجه تحديات متزايدة في المحافل الدولية.

وثالثا، فإن الموقف التركي الذي يجيء في أعقاب انتفاضات ديمقراطية في المنطقة، سيؤدي إلى مساندة تركيا للتيار الأساسي للرأي العام العربي، حول فلسطين والاحتلال الإسرائيلي. إن هذا التطور والنتائج العديدة المترتبة عليه، يدعو إلى تعديل بارز في السياسة الأميركية. والتوصل إلى حل عادل وسريع للصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، هو أمر ضروري إذا أردت الولايات المتحدة أن تحافظ على مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ولابد لواشنطن أن تعيد النظر في تأييدها غير المشروط لإسرائيل، وأن تتبنى سياسة متوازنة في المنطقة.