تركز مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة حول الدولة الفلسطينية، بؤرة الاهتمام، على العلاقات الإسرائيلية - الفلسطينية. غير أن هذا المحفل الدولي، يتيح لروسيا كذلك فرصة لدعم دورها كقائد دولي ولاعب مسؤول في البحث عن السلام العربي ـ الإسرائيلي.
ومع توجه القيادة الفلسطينة إلى الأمم المتحدة لدعم توجهها من جانب واحد نحو إعلان الدولة الفلسطينية، فإن روسيا تواجه خياراً صعباً بين الطلب الفلسطيني، وبين دعوات موسكو إلى نوع آخر من مناهج التحرك. فروسيا عضو في اللجنة الرباعية للشرق الأوسط، جنبا إلى جنب مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة، وهي اللجنة التي دعت إلى المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية المباشرة وإلى حل الدولتين لحسم الصراع، في مواجهة التحركات أحادية الجانب.
فقد جدد وزير الخرجية الروسي سيرغي لافروف، مؤخرا، التزام موسكو بمنهاج اللجنة الرباعية، حيث أبلغ مؤتمرا صحافيا بقوله: "هذه مسألة مبدأ، لأن المفاوضات وحدها يمكن أن تضمن إنشاء دولة فلسطينية متماسكة وقابلة للحياة، دولة ستحيا بالطبع في سلام وأمن، جنبا إلى جنب مع إسرائيل وغيرها من دول المنطقة".
وقد كان محقا على وجه الدقة في ما قاله. وبينما لا يمكن للجمعية العامة السماح بعضوية دولة جديدة في الأمم المتحدة، فإنها يمكن أن تعطي الفلسطينيين وضعية المراقب غير العضو في المنظمة الدولية. ويمكنها كذلك من خلال الاقتراع بالأغلبية، أن تقدم دعما رمزيا لإنشاء دولة فلسطينية على امتداد حدود 1967، مع اعتبار القدس الشرقية عاصمة لها. إن مثل هذه الخطوة تقود بعيدا عن، وليس وصولا إلى، حل الدوليتين.
ويمكننا في هذا الصدد تأمل الاعتبارات التالية: أولا، إن مثل هذا التحرك بتجنب المحادثات المباشرة مع إسرائيل، لا يمكن أن يفضي إلى سلام دائم، أيا كان عدد القرارات التي ستمررها الجمعية العامة للأمم المتحدة، والسياسيون المسؤولون ينبغي أن يشجعوا الفلسطينيين على العودة إلى مائدة المفاوضات.
ثانيا، إن دولة فلسطينية يتم الاعتراف بها على امتداد خطوط 1967، التي لا تعدو في حقيقة الأمر إلا أن تكون خطوط هدنة 1949، تقوض قراري مجلس الأمن رقم 242 و338 واتفاقيات كامب ديفيد التي تدعو إلى نتيجة متفاوض حولها، ولا تحدد بشكل مسبق حدوداً نهائية. وإذا تعاملت الجمعية العامة مع حدود الدولة الفلسطينية، فكيف يمكن للفلسطينيين في العالم الواقعي التسلق من تلك الشجرة ليقبلوا التعديلات في الأراضي التي يعرف الدبلوماسيون أنها ستكون مطلوبة للتعامل مع احتياجات الحد الأدنى للجانبين؟
ثالثا، قد تسهم الدول التي تؤيد الاستراتيجية الفلسطينية، في العودة إلى العنف.
رابعا، الدولة بحكم تعريفها، تسيطر على حدود معينة، فهل يمكن للسلطة الفلسطينية أن تزعم السيطرة على الضفة الغربية، حيث لا يزال الكثير من القضايا مع إسرائيل معلقا من دون حسم؟ وماذا عن غزة؟
خامسا، من شأن اقتراع الجميعة العامة أن يبعث برسالة خاطئة على وجه الدقة إلى إسرائيل، مفادها أن الأمم المتحدة سوف تتجاهل المصالح الاستراتيجية والجهود الإسرائيلية للتوصل إلى اتفاق عبر المفاوضات. إن الجمعية العامة للأمم المتحدة ستؤيد بغالبيتها ما يقرر الفلسطينون القيام به، وهم يحرصون على استقطاب الدول الديمقراطية، ومن المهم حقا أن نعرف أي الدول الديمقراطية ستمتلك الشجاعة للدعوة إلى سلام فلسطيني- إسرائيلي يقوم على التفاوض، وأيا من هذه الدول سيلقي بهذا المبدأ إلى الريح.