ضربت المجاعة القرن الإفريقي على العموم، ولكن الصومال كانت الأشد تضرراً، ولا يزال الوضع يزداد سوءاً. ويشكل نقص الغذاء والمياه الناجم عن الجفاف تحدياً صعباً بالنسبة لأي دولة.
ولعله أكثر صعوبة بالنسبة للصومال، حيث تعمد حكومتها المركزية المختلة وظيفياً والجماعات المسلحة التي لا ترحم إلى تقويض الجهود الدولية الرامية لمواجهة المجاعة الأشد تدميراً على مدى 60 عاماً. فمن السهل أن يتم تثبيط تلك الجهود باعتبار أن الصومال جبلت على الفشل منذ أمد بعيد، لكن يتعين على المجتمع الدولي ألا يتراجع عن بذل جهود عاجلة لمساعدة الضحايا الأبرياء.
وذكر مسؤولو الأمم المتحدة أن عشرات الألوف من الصوماليين قضوا خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة الماضية، وأن معظمهم كان من الأطفال. وقد امتدت المجاعة في الآونة الأخيرة إلى المنطقة السادسة من الجزء الجنوبي من البلاد، مضيفة نحو 750 ألف شخص إلى قائمة المهددين بخطر الموت خلال الأشهر القليلة المقبلة ما لم يتم تكثيف المعونات. يتوقع الخبراء انتهاء الجفاف في أكتوبر، غير أن هطول الأمطار الموسمية قد يقود إلى تفشي الكوليرا والملاريا والأمراض الأخرى المنتشرة من الآن في المخيمات الكينية، التي فر إليها أكثر من 400 ألف لاجئ صومالي.
وفي يوليو الماضي، وجهت الأمم المتحدة نداء عاجلاً للحصول على مساعدات بقيمة 2.4 مليار دولار تقريباً، ولا يزال ينقصها نحو مليون دولار. ويقول مسؤولون أميركيون إن التحدي الأكبر هو إيصال المعونات الغذائية إلى المحتاجين إليها في مقديشو والمناطق الزراعية التي تضررت بشدة.
وعلى كل حال، يبدو أن مشكلة إيصال المساعدات في ظروف تحفها المخاطر أصبحت أقل حدة في أعقاب انسحاب حركة «الشباب» المجاهدين، التي أعلنت ولاءها لتنظيم القاعدة وتحارب الحكومة وتحجب المساعدات عن مقديشو وعدد من المناطق الأخرى. وقد أعطى ذلك التراجع الحكومة فرصة لتأكيد ذاتها. ولكن، وفقاً لما ذكره جيفري غيتلمان في إصدار أخير من صحيفة تايمز، تواصل كل من حركة «الشباب» والحكومة انشقاقهما إلى عشائر وفصائل متنافسة، وسط مؤشرات على أن الاقتتال بين تلك الجماعات سيشتد في الفترة المقبلة.
ولأن وجود الغربيين في الصومال يشكل خطراً على حياتهم، يحاول متبرعو الغرب، ومنهم الولايات المتحدة، أن يبتكروا وسائل جديدة لإيصال الطعام والدواء إلى المنكوبين، مثل استخدام التجار المحليين. وينبغي على الدول العربية، مثل المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، وهي أبرز الشركاء التجاريين في الصومال، أن تستخدم نفوذها لإقناع الحكومة في مقديشو والجماعات المتشددة بأن يبذلوا المزيد من الجهد لمساعدة المتبرعين على إيصال معوناتهم إلى المحتاجين، والتي تشمل الماء واللقاحات والمواد الغذائية.
ولأن شرق أفريقيا عرضة للمجاعة، تعمل الولايات المتحدة مع الصومال وغيرها من الدول على تحسين عملية الإنتاج الغذائي على المدى الطويل لتفادي أي أزمات في المستقبل. وقد اتفق قادة دول شرق أفريقيا، أثناء اجتماعهم الأخير في كينيا، على الاستثمار في حلول لحالات الجفاف المتكررة. وذلك كله مجرد بداية.
من المؤكد أنهم لن يتمكنوا من وضع حد للمجاعات المدمرة والاعتماد المستمر على المعونات الغذائية ما لم يضعوا على رأس أولوياتهم تحسين الحكم واجتثاث الفساد وإنهاء الصراع في الصومال وأماكن أخرى في المنطقة.
وعلى الرغم من الفشل المتواصل الذي باءت به الجهود الرامية إلى وضع نظام سياسي مستقر، فقد عمد الزعماء الصوماليون إلى اتخاذ خطوات لتشكيل حكومة دائمة وأكثر فعالية. ويتعين على المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى أن تستخدم نفوذها حتى تضمن للصومال تحقيق تقدم حقيقي هذه المرة.