لا يزال الوقت أكثر تبكيرا من أن يسمح بالذهاب إلى القول إن تدخل «ناتو» في ليبيا كان ناجحا بالمعنى الكامل لهذه الكلمة، وسوف تنقضي أسابيع قبل أن ندرك على وجه الدقة إلى أين تمضي ليبيا، وتنقضي شهور قبل التيقن مما سيكون عليه مستقبلها، وتمضي سنوات قبل أن نستطيع أن نقدر على الوجه الأكمل تأثير القرار القاضي باستخدام القوة لمساعدة ثوار ليبيا.
ولكن يمكن أن يقال بصورة معقولة الآن إنه بالمفاهيم العسكرية الضيقة قد نجح هذا التدخل، وإنه على الصعيد السياسي كان هناك مبرر لاعتماده فيما كانت الجماهير تتدفق إلى شوارع طرابلس للترحيب بقوافل الثوار، أخيرا.
والحجة القائلة إن الغرب قد ألقى بحماقة بثقله إلى أحد جانبي الحرب الأهلية لا بد أن تضعفها مشاهد تشير إلى أن صورة الأغلبية الراغبة في رؤية القذافي يعود أقرب إلى الحقيقة من الصورة البديلة لشعب مقسم بشكل أقل توازنا إلى مؤيدين ومعارضين للنظام. فالتدخل في ليبيا كان مثيرا للجدل.
وأنه أمر مبرر، فقد كانت هناك حجج قوية للتحرك، وحجج قوية لعدم التدخل أو للخروج عقب الدخول من خلال تسوية تقوم على التفاوض. ونحن نعرف أن الأميركيين كانوا شركاء مترددين، وأن قادتنا العسكريين كانوا مترددين أيضا، وأن الدول العربية كانت متشككة وعصبية. ونحن نعرف أيضا أن بريطانيا وفرنسا اندفعتا نحو التحرك ودفعتا الآخرين إليه، دون إمعان في التفكير.
ودون معرفة قوية بالبلد الذي كان يفترض أن ينقذهم، وقد كانت ليبيا نموذجا كلاسيكيا لــ «البلد البعيد الذي نعرف عنه القليل»، باستثناء أننا هذه المرة، وبالطبع، في ظروف مختلفة تماما قررنا التدخل، ويتعين على منتقدي التدخل ومؤيديه الموافقة على أن هذا التدخل كان رهانا حرجا، وأنه قد حالفنا الحظ في أن يكون حتى الآن قرارا موفقا.
إن التاريخ فيما هو يواصل مسيرته ليس دعوى قضائية تضع البعض في قفص الاتهام وتضع آخرين في هيئة المحلفين، صحيح أن هناك أخطاء تعد عواقبها بالغة الخطورة إلى حد أنها ينبغي التحقيق فيها بصرامة، وليبيا نفسها لن تندرج في هذه الفئة أيا كان مصيرها، ولكن هل لهذا علاقة بالسؤال:» إلى أي حد لا يزال التدخل الليبرالي يعد مفهوما يستحق المخاطرة؟»
وكما حدد رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير الأمر في خطابه المعروف في شيكاغو عام 1999، فإن هذه هي الفكرة القائلة إن الدول الأقوى يمكن وينبغي أن تستخدم الوسائل المتاحة لها بما في ذلك الوسائل العسكرية كأسلوب أخير لحماية سكان الدول الفاشلة أو الضعيفة أو الطغيانية.
وهذه الفكرة تم تطويرها على نحو أكبر من قبل اللجنة الدولية المشكلة بمساعدة كندا، والتي أدرجت باعتبارها عرفا من أعراف الأمم المتحدة تحت عنوان «مسؤولية الحماية في عام 2009». وقد كانت الصعوبة الواضحة هي أن الكثير من المغامرات العسكرية التي شكلت فكرة التدخل، والأفكار التي أعقبتها منذ ذلك الحين، وفي المقام الأول في العراق وأفغانستان، كانت مغامرات إشكالية.
وينظر البعض إلى نزعة التدخل الليبرالية باعتبارها شكلا متأخرا من أشكال الاستعمار الغربي، ويشير آخرون إلى الإفراط في الاعتماد على القوة العسكرية. ولا يزال آخرون يشيرون على نحو ما فعل بادي أشداون في كتابه الممتاز حول هذا الموضوع إلى: «نحن أبعد ما نكون على التميز في هذا».
وعلى الرغم من إدراج التدخل الليبرالي في تفكير الأمم المتحدة، فإنه لا يزال فكرة يتشكك فيها العالم غير الغربي، بينما في الوقت نفسه يجد الغرب فكرة التدخل الليبرالي من قبل آخرين، ولنقل روسيا أو الصين، شيئا يدعو للقلق الشديد. وأخيرا هناك الحجة المتعلقة بالطاقة ، فالقوة العسكرية الغربية، بما في ذلك القوة الأميركية، آخذة بالانكماش، بينما الرأي العام الغربي أقل تحمسا لمثل هذه المغامرات عما كان عليه من قبل، وذلك لا يعني أنه لا يمكن الدفاع عن التدخل في المستقبل، ولا أننا ينبغي أن نتوقف عن محاولة التفكير معمقا في مثل هذه الأفكار.