يعتقد القادة الأوروبيون أن بإمكانهم درء كارثة اقتصادية من دون اتخاذ أي إجراء فعلي، ويمضون في التظاهر بأنهم لن يجبروا على طلب مساعدة دافعي الضرائب في دعم المصارف التي تواجه صعوبات، وبأن جرعات متزايدة من إجراءات التقشف سوف تدفع الاقتصاديات الضعيفة مثل اليونان، لدفع ديونها، وبأن أوروبا يمكنها الاستمرار في قطف ثمار اتحادها النقدي.
من دون تحمل المسؤوليات المشتركة المتعلقة باتحاد مالي أوسع. ولا أحد غير هؤلاء القادة يعتقد ذلك، لا أسواق الإقراض التي رفعت معدلات الفائدة على الدين السيادي، ولا صندوق النقد الدولي الذي حذر مرارا من أن البنوك الرئيسية تنقصها الرساميل، ولا منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي جاءت توقعاتها للربع المقبل سلبية بالنسبة لألمانيا وفرنسا وإيطاليا، باعتبار هذه البلدان تمثل الاقتصادات الثلاثة الأكبر في منطقة اليورو.
والخوف المباشر هو أن يتعثر مصرف أو أكثر من المصارف الأوروبية الرئيسية، والثقة تتراجع في هذه المصارف لحيازتها سندات يونانية وإسبانية وإيطالية كثيرة. وسوف يؤدي تعثر مصرف رئيسي واحد إلى تدمير الاقتصاد الأميركي أيضا، وهذا الأمر يساهم في توضيح استجداء واشنطن الملح لخروج أوروبا باستراتيجية للانتعاش والنمو. وعلى الرغم من لقاء وزير الخزانة الأميركي تيموثي غايتنر، مع وزراء المالية الأوروبيين، مؤخرا، للتحدث عن شكل هذه الاستراتيجية المقبلة، فإن كلا من المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، لم يظهروا الزعامة السياسية الضرورية لصياغة حل طويل الأمد.
وفي هذه الأثناء، يبقى العالم الحقيقي يتداخل في أوهام السياسة الأوروبية، وتختفي المظاهر الصحية التي تعكسها الميزانيات العمومية للمصارف الرئيسية، عندما تؤخذ في الحسبان حالات التخلف الجزئي عن الدفع، أو تخفيض قيمة الأصول مستقبلا. وهناك حاجة ملحة للاحتفاظ برأسمال إضافي لهذا الوضع الطارئ، على أن تأتي النسبة الأكبر من الصناديق العامة، وفي المقابل، يتعين على الحكومات المطالبة بحصة من الأرباح المستقبلية وبقوة تنظيمية أكبر.
وترى بلدان مثل إيطاليا وإسبانيا استحالة تمويل ديونها من دون عمليات شراء طارئة من قبل المصرف المركزي الأوروبي، وهي عبارة عن حل مؤقت. وإصدار سندات أوروبية مشتركة سيكون خطوة جيدة، حيث إن أوروبا بمجملها يمكنها الاستدانة بفائدة أرخص بكثير من دولها المدينة.
والأمر الأكثر أهمية، أنه يتعين على القادة الأوروبيين التحول عن إجراءات التقشف التي تقود إلى الركود، والعمل على حفز الطلب في الاقتصادات الأقوى مثل ألمانيا، وإرجاء إجراءات التقشف في الدول الضعيفة.
إن أحد الأسباب المزمنة لعدم تمكن اليونان من الوصول إلى أهدافها الخاصة بتقليص العجوزات، يعود إلى أن الركود يعمل على تقليص إيرادات الضرائب، بالسرعة نفسها التي يتم بها خفض الإنفاق الحكومي.
وأخيرا، فإن إيطاليا التي تراجعت معدلات النمو لديها إلى ما دون المعدل الأوروبي لعقد من الزمن، باتت مجبرة على تناول الدواء الفاسد نفسه. وعملية تحفيز النمو تتطلب سياسات نقدية ومالية ميسرة، ليس هذا فحسب، وإنما أيضا ضغطا مستمرا في اتجاه إصلاحات في أسواق العمل.
وخصخصة لشركات حكومية غير كفؤة. كما تتطلب أيضا مزيدا من التنسيق المركزي للسياسات المالية لدول منطقة اليورو الـ17، التي لا يزال معظمها يتباطأ في إجراء الإصلاحات الأكثر تواضعا، التي اتفق عليها قادة أوروبا في يوليو الماضي.
وليس هناك مجال لتضييع الوقت، حيث بإمكان انهيار مصرف، أو تعثر عن دفع دين في أوروبا الخريف المقبل، أن يؤدي إلى تفكك اليورو وجر العالم إلى الركود مجددا.