الأحداث في ليبيا ما تزال مادة لتعليقات أبرز المراقبين الروس، ومنهم من يتثبث بنظرية المؤامرة ويشير إلى دور التدخل الأجنبي في سقوط نظام القذافي. فبعد العار الذي ألحقته قوات القذافي بقوات حلف الناتو طيلة نصف عام، شددت قوات هذا الحلف من عزيمتها أخيرا، واستولت على طرابلس. وبدا واضحا للكثيرين اثر ذلك أنه لم تكن ثمة حرب أهلية في ليبيا كما كانوا يدعون في الغرب، ولم يكن ممكنا أن تنشب أصلا هذه الحرب بالشكل الذي وصفوها به، بل إن ما جرى هو حرب استعمارية في شكلها المبتذل.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن حرب الناتو التي دامت ستة أشهر في ليبيا، تلخصت بتدمير مكثف للقوة العسكرية، ومواقع الإدارة ، والبنية التحتية الحيوية. وبالتوازي مع ذلك جرى تجنيد وتسليح وتدريب المتمردين، وشن حملة تضليل إعلامي ضخم داخل ليبيا وحولها. ولعبت القوات الخاصة البريطانية والفرنسية دورا حاسما في اقتحام طرابلس، وهي الآن تشرف بشكل علني على ما يسمى بعملية تعقب القذافي.

ولم يُخامر الشك أحدا بمآل هذه المرحلة من العمليات العسكرية، فليبيا الضعيفة مقارنة بالناتو، لا تمتلك الإمكانات المادية للمقاومة. ولو لم تندلع الحرب الأهلية حتى الآن، فقد تندلع في هذا الوقت بالذات. ويرى رئيس الوزراء الفرنسي السابق دو فيلبان أن هذه الحرب إذا ما بدأت فستستمر سنين طويلة.

والاحتلال العسكري المباشر لليبيا على النمط الأفغاني - العراقي ضعيف الاحتمال، غير أن إحلال النظام على يد قوات المتمردين أمر أيضا متعذر. وفي الوقت نفسه ثمة من يعد العدة لضخ النفط من هناك، فليبيا تحظى بالاهتمام الدولي بوصفها محطة وقود لأوروبا.

المجلس الوطني الانتقالي عبارة عن جهاز متضخم، يرأسه شكليا مسئولون سابقون في نظام القذافي، انتقلوا إلى جهة «المنتفضين». ولا وجود في المجلس عمليا لزعماء القبائل المؤثرة، في حين تتمثل فيه منظمات إسلامية راديكالية من ضمنها «القاعدة». وهذا يعني أن «القاعدة» الفظيعة و«مكافحة الإرهاب» لم يعودا من الأمور المهمة للغرب.

ومن الجدير بالذكر أن الأميركيين طبقوا في فيتنام مفهوم «فتنمة» الحرب، أي محاولة استبدال الجنود الأمريكيين بجنود محليين ليكونوا طعاما للمدافع. والنموذج الحالي يذكر المرء «بفتنمة» الثورات المخملية. وهذه «الفتنمة» تفقد هذه الثورات بعض مخمليتها. ومن الجلي أن ليبيا ليست الحقل المثالي لتطبيق هذا النموذج. ويبدو أن أمزجة السادة في باريس ولندن هي التي تقف وراء هذا الخيار.

ومن ناحية أخرى يتضح أن ثمة موقعين أكثر أهمية لتطبيق هذا النموذج، هما سورية وإيران. وجاء في الأخبار أن معارضين سوريين أعلنوا في تركيا عن تشكيل مجلس وطني انتقالي برئاسة برهان غليون، استاذ علم الاجتماع في جامعة السوربون. وبضغط من السلطات التركية نال الأخوان المسلمون وممثلون عن مجموعات إسلامية مختلفة حصة هامة من مقاعد هذا المجلس.

وإن الحملة حول سورية ــ بما في ذلك المجلس المذكور ــ نسخة طبق الأصل عن السيناريو الليبي مع استثناء واحد، هو عدم وجود قرار أممي لضمان حماية المدنيين. مما لاشك فيه أن سورية دولة أكثر أهمية من الجماهيرية، وانهيارها سيسفر عن نتائج أكثر خطورة مما في ليبيا. وإن مخطط «الفتنمة» الثورية يهدف، بالطبع، إلى «تمشيط» النظام الذي لا يلائم أصحاب هذا المخطط.

وذلك في ظل إسناد جوي قوي. ولكن هذا المخطط لا يمكنه، في حال من الأحوال، ضمان النظام على الأراضي التي يتم «تمشيطها». ولا بد من الإشارة أخيرا إلى أن إحلال النظام ليست هدفا من أهداف من يقف وراء هذا «التمشيط».