لا شك في أن المتابع للمواقف الروسية حيال مسار وتطورات ربيع الثورات العربية سيصاب بحيرة وربما بالريبة أيضا. إذ لا تبدو عناصر وخلفيات موقف موسكو الرسمي تجاه ثورات الشعوب العربية واضحة ولا مبنية على أسس محكومة بضوابط معينة.
ومنذ تفجر شرارة الثورة المصرية بدا الموقف الروسي مرتبكا، ويحمل في ثناياه حالة عداء للاحتجاجات الشعبية عبرت عنها الدبلوماسية الروسية في تصريحات مختلفة، ومن خلال صياغات تنوعت في ألوانها لكنها كانت تجمع على تقديم الحذر والخشية، إذا لم نقل الانتقاد الواضح والمباشر للحراك الشعبي.
وإذا كانت الثورة المصرية أوفر حظا من بقية الثورات العربية في حصولها على تأييد روسي جاء متأخراً وغير محدد المعالم، ولم يترجم في إجراءات تنم عن الرغبة في دعم النظام الجديد الذي ولد من رحم هذه الثورة، فإن الثورات الشعبية في ليبيا وسوريا واليمن، اصطدمت بصخرة الإصرار الروسي على ضرورة انصياع شعوب هذه البلدان إلى حكامها، نظير بعض الإصلاحات والمكاسب السياسية التجميلية التي لا تزيد في جوهرها عما حصلت عليه شعوب شرق آسيا مثلا، منذ نصف قرن.
وكأن قدر الشعوب العربية الذي ارتضته موسكو لها يتمثل في الخضوع لكل أشكال القهر والقمع والاستبداد. ثم تراجعت هذه السياسة بعض الشيء لتحاول على استحياء التعاطي مع أطراف معارضة في هذه البلدان بهدف «الاطلاع على مطالبها ورؤيتها السياسية لمستقبل بلادها والمشرق العربي» بحسب الموقف المعلن في روسيا بعد إجراء اتصالات مع المعارضتين السورية والليبية.
أقل ما يقال في هذا الوضع إنه كشف عن ازدواجية في مواقف روسيا، تقدم فيها موقف الكرملين عن مواقف الدبلوماسية الرسمية في شكل ملحوظ.
وكان من الطبيعي أن تواجه مواقف موسكو بانتقادات حادة في البلدان العربية، من جانب محللين وسياسيين أو من جانب المتظاهرين السلميين أنفسهم الذين يصنعون ثوراتهم والذين قاموا بإحراق الأعلام الروسية في الساحات العامة ليسجلوا سابقة في تاريخ علاقات العرب مع روسيا.
يرى البعض أن رد فعل الشارع العربي على مواقف موسكو استند لرؤية سطحية، اعتبرت أن مواقف روسيا تجاه الثورات العربية تعكس ما وصف بأنه «تورط روسي في محاولات الغرب لإجهاض هذه الثورات» عبر محاولة إفراغها من مضمونها الشعبي وتجاهل مطالبها المشروعة.
لم يهتم الباحثون العرب بتتبع منطق السياسة الروسية المعلن في تحديد مواقف موسكو من التطورات الجارية في المنطقة العربية، والذي يستند كما يقول الروس إلى ما يمكن أن تمنحه التغييرات الجارية في البلدان العربية من مساحات نفوذ للغرب. في المقابل تجاهل المنطق الروسي العناصر الأساسية لهذه الثورات، والتي تتمثل في طغيان الإرادة والطموح الشعبيين للتغيير وتحسين ظروف الحياة السياسية والاقتصادية في هذه البلدان. بدا واضحاً أن الرؤية البراغماتية الضيقة والمعبرة عن مصالح محدودة للشركات الروسية هي التي سيطرت على الموقف.
إذا كانت عناصر الموقف الرسمي واضحة برغم أنها تثير في كل الأحوال الحيرة، فإن مواقف الإعلام الروسي ظلت تراوح بين جدران الريبة.
ومنذ انطلاقة «الربيع العربي» حاولت وسائل الإعلام الروسية على اختلاف مشاربها إلصاق تهمة ارتباط الثورات بمركز محرك في واشنطن، وأصرت على تشبيه الحراك الجاري بالثورات الملونة التي شهدتها بعض بلدان الفضاء السوفيتي السابق مثل الثورة «البرتقالية» في أوكرانيا وثورة «الورود» في جورجيا، وبدا واضحا أن القائمين على وسائل الإعلام الروسية إما تجاهلوا بشكل متعمد أو وجهوا لتجاهل الواقع والحقائق التي يراها الجميع .