تبدو النداءات الموجهة للرئيس الأميركي باراك أوباما بأن يكون زعيما قويا، شبيهة إلى حد ما بنداءات الروس الذين يفضلون حكم الذراع القوية من جانب فلاديمير بوتين، وذلك بعد 20 عاما من بدء انهيار الإمبراطورية السوفييتية. ولكن التعبير عن قيم الديمقراطية لا ينطبق على شخص واحد، وإنما يتعين أن يكون أكثر شمولا.

قبل 20 عاما استهل انقلاب عسكري فاشل في موسكو، انهيار الاتحاد السوفييتي، ومعه بدأ نزاع الشعب الروسي الذي امتد طويلا، حول ما إذا كانت قيم المجمع الحر يعبر عنها أفضل تعبير من خلال أفراد الشعب أنفسهم، أو من خلال قائد قوي.

والحقائق الراسخة المتعلقة بالديمقراطية، وهي الحقوق المدروسة لكل شخص والمساواة أمام القانون وحرية التعبير الخ..، هي حقائق شاملة، ولا يمكن أن تتجسد في شخص واحد، أو مجموعة محدودة من الأشخاص. غير أنه في روسيا التي حكمت طويلا من قبل القياصرة والقادة الشيوعيين، فإن معظم الناس لا يزالون يتطلعون إلى نوعيات القادة الذين يستعرضون عضلاتهم في فنون القتال على نحو ما يفعل بوتين، والذين لا يحتملون المعارضة.

مثل هذا التفكير هو السبب في أن بعض الثورات الديمقراطية تمنى بالفشل، وهو الذي يجعل الربيع العربي، على الأقل في مصر وتونس، جديرا بالدعم والتأييد والمساندة.

ويدرك الرئيس أوباما ذلك، فهو خلال جولته بالحافلات في الغرب الأوسط مؤخرا، أقر بأن السلطة الحقيقية في النظام الديمقراطي لا تكمن فيه باعتباره رئيسا، وإنما تكمن في الشعب. وفي خطاب ألقاه في إلينوي، طلب من الجمهور أن يطالب الكونغرس بالتحرك، وقال: "إذا كنتم تبعثون بهذه الرسالة فإن ذلك أقوى كثيرا من قيامي بإرسالها، لأنكم في نهاية المطاف أنتم الشعب الذي وضع أعضاء الكونغرس في مناصبهم، أليس كذلك؟".

كان هذا التساؤل "أليس كذلك" عنصر تذكير لطيف، بعدم إهمال واجبات المرء باعتباره مواطنا نشطا، وعدم الاكتفاء بوضع بطاقة انتخاب في صندوق الاقتراع مرة كل عامين.

لقد أدرك القادة، منذ أقدم العصور وحتى المهاتما غاندي، هذا النمط من القادة الذي ينظر في إطاره إلى كل فرد باعتباره قادرا على حكم ذاته من خلال الأفكار الأسمى، وينسب إلى غاندي قوله: "ها هم شعبي ولا بد لي أن أتبعهم فأنا قائدهم". لقد أتيح للروس وقت قصير فحسب لاستيعاب اندفاعهم نحو القيم الديمقراطية، ابتداء من اللحظة التي امتطى فيها بوريس يلتسين دبابة في 19 أغسطس 1991، وتجمع حوله الألوف من الناس لتحدي المتشددين الشيوعيين. وفي وقت لاحق أصبح يلتسين أول رئيس لروسيا منتخب في انتخابات حرة.

 غير أنه لم يتبن عدد كافٍ من الروس، القضية ولم يتحملوا مسؤوليتهم، الأمر الذي أفضى إلى عقدين من الفساد المستشري والحرية المتراجعة. والآن فإن جانبا كبيرا من التفكير الروسي، يجتاحه حنين إلى ألوان الراحة الزائفة والنظام الصارم العائد إلى المرحلة السوفييتية.

غير أن جمرات العمل المدني لا يزال يمكن العثور عليها. وفي مقال افتتاحي في صحيفة واشنطن بوست، يتحدث ليون أرون من معهد أميريكان إنتربرايز، عن السفر إلى روسيا هذا الصيف والعثور على جماعات جماهيرية تملأ الحياة لسياسية بـ"حساسية اجتماعية مهمة كانت محدودة للغاية في 1991"، وهو يقول إن هذه المجموعات "تنظر إلى المجتمع باعتباره مساويا للدولة"، وتجمع بين الطابع البراغماتي ورفض المساومة على الصعيد الأخلاقي. إن بذور الأفكار الديمقراطية يمكن أن تأخذ وقتا طويلا أو قصيرا لكي تزدهر، ولكنها ما أن تغرس حتى تواصل الحياة ويصعب اقتلاعها.. وبوتين يخشى ذلك بينما يرحب به أوباما، فأيهما هو "الزعيم القوي"؟