الوزير الأوروبي الأسبق، ديفيد ماكشين، لا يجانب الصواب حين يجادل، في مقابلة صحافية، بأن الاتحاد الأوروبي يمرّ بأزمة شرعية. وفي الحقيقة فإن الاتحاد الأوروبي يشهد، منذ زمن، انهياراً بطيئاً للثقة، يتجاوز بكثير حدود الاضطرابات الراهنة للعملة الموحدة، وتعود جذوره إلى رفض الدستور الأوروبي في الاستفتاءات الشعبية، في كل من فرنسا وهولندا في مايو 2005. وتشهد الانتخابات البرلمانية الأوروبية تراجعاً متواصلاً في نسب التصويت في مختلف أنحاء القارة، كما أن التأييد الشعبي للاتحاد الأوروبي قد تراجع أيضاً. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن تغيير هذه الحال؟ هناك بعض الأفكار السديدة التي يتم تداولها على الساحة الآن. ويشير ماكشين مثلاً، إلى إمكانية خفض فترة دورة انتخابات البرلمان الأوروبي، وتقليص موارد مفوضيات الاتحاد الأوروبي. لكن في الحقيقة ليست هناك حلول سحرية ناجعة، يمكنها زيادة شرعية الاتحاد الأوروبي بشكل تلقائي. وكما شاهدنا، فإن المحاولات غير الناجعة لتحفيز الإحساس المشترك بين الأوروبيين، على غرار الدستور الأوروبي مثلاً، أدت في نهاية المطاف إلى عكس النتائج المرجوة منها. ولذلك فإن إعادة بناء التأييد الشعبي والرسمي للاتحاد الأوروبي، يتطلب عملية متكاملة من الإجراءات والخطوات، وليس خطوة واحدة.

الزعماء السياسيون في كل بلد، يجب أن يقوموا بدورهم بشكل أفضل في الترويج لإنجازات الاتحاد الأوروبي. ويتعين عليهم أيضاً الامتناع عن الانزلاق إلى تكتيكات توجيه الاتهامات للدول الأخرى بهدف كسب تأييد الجماهير، كما حدث في منطقة اليورو، حيث شاهدنا زعماء ألمان يدلون بتصريحات نارية بشأن طريقة التعامل مع الأوروبيين الجنوبيين. لكن المفارقة هنا، أن ما حدث في قضية العملة الموحدة ربما يكون فرصة سانحة للتحرك في اتجاه رأب الصدع في الشرعية. فإذا نتجت عن الظروف الطارئة الراهنة درجة أكبر من الفيدرالية المالية ـ كما يبدو مرجحاً الآن ـ فقد تكون هذه فرصة لتعزيز معايير المساءلة الديمقراطية، وجعل المؤسسات الأوروبية أكثر شفافية، وإشراك المواطنين الأوروبيين بشكل أكبر في مسائل الحَوكمة. لكن ذلك سيتطلب أيضاً من الزعماء الوطنيين الأوروبيين، أن يكونوا أكثر فعالية ونشاطاً في نهوضهم للدفاع عن الاتحاد الأوروبي.

الوضع الحالي خطير، ولذلك فقد آن الأوان لأن يتحرك كل الذين يقرون بإنجازات الاتحاد الأوروبي ويدعمون استمرارية وجوده، للعمل بجد واجتهاد لإنقاذ الموقف. فالاتحاد الأوروبي يبدد ما تبقى له من شرعية، ولا بد من التحرك بشكل عاجل لإخضاعه لعملية فحص شاملة من أجل حماية مستقبله.

ولقد دعا ماكشين إلى خفض أعداد المفوضين المسؤولين عن إدارة الاتحاد الأوروبي، من 27 إلى سبعة مفوضين، علماً أن كل مفوض يتقاضى سنوياً راتباً أساسياً يبلغ 216 ألف يورو، بينما يتقاضى رئيس المفوضية 264 ألف يورو. واشتكى ماكشين أيضاً من حقيقة أن أعضاء البرلمان الأوروبي يتم اختيارهم "دفعة واحدة وبسرعة خاطفة، وكثيراً ما يكون اختيارهم مبنياً على المشاعر السياسية المحلية إزاء الحكومة في ذلك الوقت"، مشيراً إلى انتخاب 13 نائباً من حزب الاستقلال البريطاني واثنين من الحزب الوطني البريطاني، قبل عامين. "وهذا يعني أن نواب البرلمان الأوروبي لا يعكسون الاتجاهات السياسية الحقيقية للقواعد الانتخابية التي تدعم حكومات بلدانهم". واقترح إنشاء مجلس شيوخ في البرلمان، يتألف من ممثلين من البرلمانات الوطنية، ليقوموا بدور صلة الوصل مع الدول الأعضاء في الاتحاد.

ويقر ماكشين بأن الاتحاد الأوروبي يواجه مشكلات شائكة ومواطنين مرتابين، قائلاً "إن الناس يعتبرون معظم المزايا التي ينعمون بها بفضل الاتحاد الأوروبي، من المسلمات، بينما يتأثرون كثيراً بكل ما يسمعونه عن الأمور السلبية. والسبب أن العديد من الحكومات في مختلف أنحاء أوروبا، يلقي باللائمة على الاتحاد الأوروبي في أمور ليس له فيها سوى مسؤولية محدودة".