مع دخول الثوار اللبيبين طرابلس، يبدو أن نهاية القذافي وأولاده باتت وشيكة. علينا أولاً أن نشعر بالامتنان لأفول عهد أحد أقذر الدكتاتورات بالعالم، بعد 42 عاماً من الحكم الاستبدادي.
وتكمن مصلحة الولايات المتحدة و«ناتو» الآن في حلحلة الأمور بأسرع ما يمكن بأقل قدر ممكن من إراقة الدماء. وأفضل نتيجة متوخاة تتمثل في خروج سريع للقذافي من المشهد إما إلى السجن وإما إلى المنفى. وأسوأ نتيجة يمكن أن تقود إلى حرب حمامات دم، من شأنها أن تفاقم سخط القبائل وتجعل المصالحة الوطنية في فترة ما بعد القذافي أصعب بكثير. ما زال القذافي غير راغب بالتعاون، متعهداً بالقتال في طرابلس «حتى النهاية» وداعياً الموالين له في أنحاء البلاد أن يهبوا لإنقاذه. لكن الصحافيين الذي دخلوا طرابلس مع الثوار قالوا إنهم استقبلوا بحشود مبتهجة مهللة يلوحون بأعلام الثورة وليس بالمقاومة المسلحة.
وفي طرابلس انسحبت القوات الموالية للقذافي من العديد من المواقع التي كانت تتحصن فيها بعد دخول الثوار، بما في ذلك المواقع المحيطة بالفندق الرئيسي بالعاصمة، ما سمح بمغادرة الصحافيين المحتجزين هناك منذ ستة أيام.
لكن مع تجدد الاشتباكات في العاصمة وحولها، أقرت قيادة الثوار أن المعركة للسيطرة على البلد لم تنته بعد، ووعدت بمكافأة مالية بقيمة تزيد على مليون دولار لمن يأتي بالقذافي حياً أو ميتاً. لكن الثوار يفتقرون إلى زعيم واحد مهيمن، وهذا قد يعني نشوب نزاعات شائكة على السلطة. ولذلك فمن المبشر أن نسمع من حسام نجار، أحد قادة الثوار، أن أول ما سيقوم به لواؤه هو «وضع حواجز تفتيش لنزع الأسلحة من الجميع، بما في ذلك جماعات الثوار، وإلا سيتحول المشهد إلى حمام دم». بينما صرح قائد آخر، هو مصطفى عبد الجليل، أن القذافي وأبناءه سيمنحون ممراً آمناً إلى خارج ليبيا إذا وافقوا على المغادرة فوراً.
ويواجه عبد الجليل ضغوطاً متزايدة لإظهار قيادة قوية وقدرة على توحيد البلد، خاصة بعد أن تضررت مصداقيته عندما أعلن أنه تم اعتقال سيف الإسلام القذافي، الذي ظهر بعد ساعات على الملأ أمام كاميرات المصورين الصحافيين في فندق ريكسوس.
ويدرس حلف الناتو تقديم الدعم لأي مهمة تقودها الأمم المتحدة بعد انتهاء النزاع المسلح في ليبيا، وإن كان ذلك الدعم سيكون محدوداً ولن يتضمن إرسال أي جنود، بحسب مصدر مطلع.
وبعد الدور الذي قام به حلف «ناتو» في مساعدة الثوار على التقدم بتسخير قوته الجوية ومعلوماته الاستخباراتية وأسلحته لدعمهم، سيكون له بطبيعة الحال بعض النفوذ لديهم في الأيام المقبلة. والمؤسف أنه كان من الممكن هزيمة القذافي بشكل أسرع بكثير وبخسائر أقل بكثير في الأرواح مع ضمان نفوذ أميركي أقوى بكثير، لو تحركت أميركا لقيادة الحملة العسكرية بفعالية أكبر منذ البداية.
وفي الحقيقة أن أهمية التخطيط لهذه اللحظات الحاسمة هي ما دعانا إلى حثّ وزارة الخارجية الأميركية في مناسبات عدة على التعاون مع الثوار منذ الأيام الأولى للثورة، لكن تحرك الولايات المتحدة في هذا الاتجاه كان بطيئاً، حتى إنها لم تعترف بالمجلس الوطني الانتقالي حتى منتصف يوليو الماضي. وهذا التردد في الموقف الأميركي هو الذي منح القذافي الأمل بأنه قد يستطيع الصمود وإيصال الأمور إلى طريق مسدود.
بالطبع فإن الليبيين سيقررون مستقبلهم بأنفسهم، لكن الولايات المتحدة لها مصلحة في أن تظهر للعالم بأن تدخل «ناتو»، برغم تأخره وتخبطه في بعض الأحيان، نجح أخيراً في تحقيق أهدافه بالإطاحة بالدكتاتور، وإنقاذ آلاف الأرواح، وتشجيع حكومة ليبية جديدة تحترم شعبها ولا ترعى الإرهاب الدولي.