تطورات الأوضاع في ليبيا في الأيام القليلة الماضية أكثر إثارة وغرابة في نفس الوقت عما كانت عليها طيلة الأشهر الماضية منذ اندلاع الثورة الشعبية هناك، لقد ظلت قوات المعارضة تخوض صراعا مريرا مع كتائب الدكتاتور معمر القذافي طيلة الأشهر الستة الماضية، أما النجاحات القليلة التي أحرزت خلال تلك الفترة فتحققت بصعوبة كبيرة جدا. لكن ما حصل خلال الأسبوع الأخير يثير الحيرة والتساؤل: كيف تمكنت قوات المعارضة من الاستيلاء على عدد من المدن المهمة استراتيجيا، بما فيها العاصمة بهذه السرعة وهذه السهولة؟
مما لا شك فيه أن ذلك لم يكن ليتحقق لولا الانخراط المباشر لقوات التحالف في هذه الحرب. لقد كان ملاحظا بوضوح طيلة الأشهر الماضية مدى تواضع تحركات قوات الثوار على الأرض، بل انها مرت بمراحل كادت فيه أن تدمر تماما على يد قوات القذافي لولا تدخل طيران حلف الناتو المكثف، كذلك أيضا التحركات الأخيرة لهذه القوات خلال الأيام الماضية لم تكن لتتم بهذه الوتيرة السريعة والناجحة بدون طائرات الناتو، التي أمنت لها الغطاء الجوي، ومهدت لتقدمها عن طريق قصف الأهداف المهمة. فقد بات معلوما أن طائرات حلف الناتو قصفت طرابلس بكثافة بالغة، ليل نهار، خلال الأيام الأخيرة.
ومن اللافت أن تلك الطائرات لم توجه أية ضربة بالخطأ إلى قوات المعارضة كما كان يحدث في الأيام الأولى للتدخل هناك، والسبب في ذلك على ما يبدو يرجع لأن الناتو زود المعارضة بمرشدين أرضيين، مهمتهم تصويب نيران القصف الجوي.
وبالإضافة إلى ذلك نفذ الثوار إنزالا بحريا للسيطرة على ميناء طرابلس، وتم ذلك طبعا بمساعدة قوات التحالف، التي أمنت للثوار غطاء جويا وبحريا، شاركت فيه قطع بحرية غربية. علما بأن عمليات السيطرة على الموانئ، من النوع المعقد جدا. فهي تحتاج لخطط خاصة للتحرك، ولخرائط جغرافية للمنطقة. وغالبا ما تستخدم في عمليات من هذا النوع صور جوية أو معلومات استخباراتية فضائية.
وذلك ما يفتقر إليه البدو بالتأكيد. وبالإضافة إلى ما تقدم ثمة أمر غريب آخر، فعملية السيطرة على طرابلس حملت تسمية رمزية وهي «حورية البحر» أو «صفارة الإنذار». وغرابة هذا الأمر تكمن في ان المتمردين المسلمين يحبذون تنفيذ عملياتهم تحت تسميات من قبيل «قبضة الله» أو «سيف الانتقام» أو ما شاكل ذلك. وليس من المعقول أن يطلق هؤلاء على عملية بهذه الأهمية اسم مخلوقة أنثى خرافية من الأساطير الغربية الكافرة.
ومن الواضح أن هذه التسمية تحمل بصمة فرنسية، أو ربما إيطالية، سيما وأن الإيطاليين اشتهروا بالعمليات البحرية، أو القبض على زوارق المهاجرين غير الشرعيين القادمين عبر البحر. وأخيرا، ونظرا لأن الكثير من قادة وحدات الجيش الليبي، أمروا وحداتهم بالالتحاق بقوات المتمردين، فإنه من المرجح أن يكون قد سبقت هذه العملية العسكرية، عمليات رشوة واسعة النطاق لكبار القادة في كتائب القذافي. ذلك أن هذه التجربة أثبت نجاعتها بشكل كبير أثناء غزو العراق والإطاحة بنظام صدام حسين. حيث تم رشوة عدد من كبار الشخصيات، التي كانت تشغل مواقع مهمة في نظام صدام حسين.
المراقبون يطرحون عددا من التساؤلات التي ربما لن تنكشف الإجابات عنها في المستقبل القريب. ومنها: كم من الأموال أنفقت لإنجاح عملية الإطاحة بمعمر القذافي؟ ومن الذي قام بتقديم الرشوة؟ هل الأوروبيون؟ أم المتمردون، الذين لديهم الحق في الوصول إلى النقود الليبية المجمدة في البنوك الغربية؟