تتنافس كل من الهند والصين في مجالات عدة، بدءاً من الرياضة وانتهاءً بالناتج المحلي الإجمالي. إلا أنه، في الأسابيع الأخيرة، اضطرت الدولتان، وهما من أكثر دول العالم ازدحاماً بالسكان، أن تظهرا لشعبيهما أنهما قادرتان على التصدي للفساد. ويبدو أن المنافسة هذه المرة تنطلق من توق العامة إلى لمس النزاهة والشفافية في حكومتهم، وهو توق حديث العهد، وربما يكون مستوحى من مطالب الربيع العربي، التي تضمنت محاسبة القادة.
وقد دخل صراع الصين الطويل مع الكسب غير المشروع، منعطفاً جديداً في 23 يوليو الماضي، بعد تصادم اثنين من قطارات "الرصاصة" فائقة السرعة، مما أسفر عن مقتل 40 شخصاً. وأثار ذلك التصادم موجة مفاجئة من القلق العام، رغم الضوابط الصارمة، وذلك جزئياً بسبب إقالة وزير السكك الحديدية قبل فترة بسيطة، لحصوله على نحو 122 مليون دولار على شكل عمولات.
ومن الواضح أن الصين وضعت الفساد على قائمة أجندتها عام 2008، في أعقاب زلزال سيشوان، الذي أودى بحياة آلاف الأطفال، ووقع نتيجة لانهيار عدد من المدارس غير المشيدة وفقاً للمعايير المطلوبة. وبعد كل حادثة تسمم غذائي جماعي أو تلوث بيئي، تعلو صيحات تتهم الأيادي الفاسدة بكونها السبب في ذلك.
قد تكون السمعة الطيبة التي يتمتع بها نائب الرئيس الصيني زي جينبنغ، هي أحد أسباب اختياره ليخلف الرئيس الحالي. فهو، في نهاية المطاف، من كتب أن "الشفافية أفضل وسيلة لمنع التآكل". وفي الشهر الماضي، احتفل الحزب الشيوعي الحاكم بالذكرى التسعين لتأسيسه. وبتلك المناسبة، ألقى الرئيس الصيني هو جين تاو خطاباً ركز فيه على حاجة الحزب إلى "مقاومة" الفساد.
ولكن لا يزال عدد كبير من الصينيين ينضمون للحزب، لمجرد أن يصبحوا أغنياء من خلال وساطات غير عادلة. ويبدو الحزب الآن تائهاً يبحث عن طريقة لكبح الفساد الذي يهدد اقتصاد الصين. وفي زيارته الأخيرة إلى لندن، ذكر رئيس الوزراء الصيني أنه يجب على الحزب أن يسمح للشعب "بمراقبة الحكومة وانتقادها...
وذلك لمنع الفساد من التفاقم". ولكن وين جيا باو، لا يعتبر شخصية قوية في حزب يناضل من أجل الحفاظ على امتيازاته وسلطته. وفي الهند أيضاً، هيمن موضوع الفساد على الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ، بمناسبة يوم الاستقلال. إلا أنه، بمجرد حلول اليوم التالي، أصبح في موقف دفاعي بعد أن تم إلقاء القبض على آنا هازاري، وهو أحد أشهر النشطاء الهنود في مكافحة الفساد، لشروعه في حملة إضراب عن الطعام في العاصمة نيودلهي.
وقد لقيت جهود هازاري، التي تشبه حملة العصيان المدني التي خاضها المهاتما غاندي ضد الاستعمار البريطاني، تأييداً واسع النطاق، لا سيما بعد فضيحة الاتصالات التي كلفت البلاد نحو 40 مليار دولار، وغيرها من فضائح الفساد الأخرى التي باتت تثير استياء الشعب.
لقد ضاق أفراد الطبقة الهندية الوسطى ذرعاً، بتداعيات الفساد على حياتهم اليومية وعلى سمعة البلاد واقتصادها. وقد شهدت الاستثمارات الأجنبية انخفاضاً حاداً خلال السنة الماضية، فيما أصبح الفساد يمثل الهم الأكبر بالنسبة للغالبية العظمى من الهنود.
وكما هي الحال بالنسبة للصين، فلا ينبغي لصحوة الهند الأخلاقية التي تطالب بالنزاهة في الحكم، أن تخضع للقمع الرسمي أو أنصاف الحلول. ويتحتم على هذين البلدين، اللذين يشكلان معاً أكثر من ثلث سكان العالم، أن يمضيا قدماً في وضع معايير عالية في الحكومة والتعاملات التجارية. وعندها فقط سيتمكنان من الانضمام إلى قادة العالم.